الصفحة 49 من 3812

{ واصبر على مَآ أَصَابَكَ } من الأذى ، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى في الجنة فقط .

واسم الإِشارة في قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله . وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها . أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان .

قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمها لله من الأمور ، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام . . ومنه الحديث:"إن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن يؤخذ بعزائمه"ومنه عزمات الملوك ، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده ، عزمت عليك إلا فعلت كذا . فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله ، ولا مندوحة في تركه .

وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات ، وأنها كانت مأمورا بها في سائر الأمم ، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن ، سابقة القدم على ما سواها . (1)

وجب التذكير

قال تعالى: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) ( الذاريات) }

التذكير نوعان: تذكير بما لم يعرف تفصيله، مما عرف مجمله بالفطر والعقول فإن الله فطر العقول على محبة الخير وإيثاره، وكراهة الشر والزهد فيه، وشرعه موافق لذلك، فكل أمر ونهي من الشرع، فإنه من التذكير، وتمام التذكير، أن يذكر ما في المأمور به ، من الخير والحسن والمصالح، وما في المنهي عنه، من المضار.

والنوع الثاني من التذكير: تذكير بما هو معلوم للمؤمنين، ولكن انسحبت عليه الغفلة والذهول، فيذكرون بذلك، ويكرر عليهم ليرسخ في أذهانهم، وينتبهوا ويعملوا بما تذكروه، من ذلك، وليحدث لهم نشاطًا وهمة، توجب لهم الانتفاع والارتفاع.

وأخبر الله أن الذكرى تنفع المؤمنين، لأن ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة، واتباع رضوان الله، يوجب لهم أن تنفع فيهم الذكرى، وتقع الموعظة منهم موقعها كما قال تعالى: { فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى } [ ص 813 ]

وأما من ليس له معه إيمان ولا استعداد لقبول التذكير، فهذا لا ينفع تذكيره، بمنزلة الأرض السبخة، التي لا يفيدها المطر شيئًا، وهؤلاء الصنف، لو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. (2)

وقال تعالى: { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (9) ( الأعلى) }

اعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه تامًا وفوق التمام ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تامًا بمقتضى قوله: { وَنُيَسّرُكَ لليسرى } [ الأعلى: 8 ] أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله: { فَذَكّرْ } لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ، ومن كان كذلك كان فياضًا للكمال ، فكان تامًا وفوق التمام ، وههنا سؤالات:

السؤال الأول: أنه عليه السلام كان مبعوثًا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله: { إِن نَّفَعَتِ الذكرى } ؟ الجواب: أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدمًا عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله: { وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } [ النور: 33 ] ومنها قوله: { واشكروا للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [ البقرة: 172 ] ومنها قوله: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ } [ النساء: 101 ] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله: { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان } [ البقرة: 283 ] والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله } [ البقرة: 230 ] والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد إحداها: أن من باشر فعلًا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء ، فلذلك قال: { إِن نَّفَعَتِ الذكرى } وثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه على الأخرى كقوله: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل: 81 ] والتقدير: { فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى } أو لم تنفع وثالثها: أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ورابعها: أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل: ادع فلانًا إن أجابك ، والمعنى وما أراه يجيبك وخامسها: أنه عليه السلام دعاهم إلى الله كثيرًا ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يحترق حسرة على ذلك فقيل له: { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق: 45 ] إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3365)

(2) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 812)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت