فهرس الكتاب
اعلموا أيها الأحبة أن من ثوابت هذا الدين أن الأعمال بالخواتيم كما ثبت في أحاديث المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم:"وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"
ومن أصول الشرع استحباب الاستغفار وكثرة ذكر العزيز الغفار في أعقاب الطاعات والقربات. قال تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) [البقرة:198]
(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) [البقرة:200] . (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) [النساء:103] . (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) [البقرة:185] . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عقب الصلاة:"أستغفر الله (ثلاثًا) اللهم أنت السلام..."
إذا ثبت هذا فعلى المسلم في ختام سنته أن يتوب إليه سبحانه عما بدر منه فيما سبق، وأن يكثر من ذكره فيما بقى، فإن من تاب وأصلح فيما بقى غفر الله له بمنه وفضله ما مضى وما بقى، ومن أساء فيما بقى أخذه الله بما مضى وما بقى.
احذروا أعداءكم
إننا نأمل ونحن نودع هذا العام أن تعمل الأمة على توديع أوضاعها المأسوية، ومعالجة جراحاتها المتعددة في جسدها المثخن بالجراحات والآلام.
إن الواجب على أبناء الأمة وقادتها أن يكون لديهم الوعي الكامل والإدراك الشامل بمخاطر أعدائها ومخططاتهم، فكم تغلي قلوب هؤلاء الأعداء على المسلمين حقدًا، وكم يعضون الأنامل علينا غيظًا، يريدون قطع دابر الدين كي تخور القوى ويُتبع الهوى وتعم البلوى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) [النساء:89] .
يريدون ألا يعز إسلام، ولا يقوى يقين، ولا يكون تمكين، إنهم يصرون على تمزيق أهل الإسلام حتى يصبحوا وبلدانه قطعانًا في بقاع الأرض، لا مرعى يجود ولا راع يزود، ولا دولة تؤوي، شراذم يعاملونهم معاملة الأرقاء، فلا ينالون حقوقهم إلا بطريق التوسل والاستجداء، وقد علموا أن المستجدي يسأل ولا يفاوض، ويقبل ولا يعارض.
إن على المسلمين قادة ومقودين، ورؤساء ومرؤوسين، أن يعلموا أن معركتهم مع عدوهم هي معركة دين وعقيدة، ومعركة قيم وأخلاق ومبادئ، مهما حاول الكفار أن يخفوا حقدهم ويظهروا لنا ودهم وحبهم. ولنقرأ التاريخ فإن فيه عبرة لكل معتبر .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم:"إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين".
دروس مستفادة من فريضة الحج
مرت أيام الحج، وانقضت أعماله، وعاد معظم الحجيج إلى بلادهم، حاملين معهم ذكريات رحلتهم إلى بيت الله.. ولكن إذا كان الحج قد انقضت أعماله فإن منافعه ومقاصده لم ولن تنتهي أبدا..
لقد قال بعض المنصرين قديما:"سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير ما دام للإسلام هذه الدعائم: القرآن، واجتماع الجمعة، ومؤتمر الحج". فإذا كان هذا فهم أعداء الإسلام لمعاني الحج وما يمكن أن يكون له من أثر في أمة الإسلام، فماذا يعني الحج بالنسبة لك كمسلم؟ وما هي المنفعة التي تعود عليك في دينك في ذكرى الحج؟ وماذا تستفيد الأمة من درس الحج؟ هل الحج مجرد مناسك تؤدي، وشعائر تقام وأدعية وأوراد وأذكار أم أن الحج أكبر من ذلك؟
إن الله تعالت عظمته وجلت حكمته ما شرع شريعة من الشرائع، ولا افترض فريضة من الفرائض إلا ومن ورائها من الحكم والمنافع ما لا يحيط بعلمه إلا هو سبحانه، جهل ذلك من جهله وعلمه من علمه، وأمة الإسلام في أيام محنتها وشدتها، وضعفها وتيهها تحتاج، بل هي في أشد الحاجة، أن تتأمل وتتعلم وتقف وقفات مع مقاصد شعائر الإسلام ـ ومنها الحج ـ لتستلهم العبر، وتجدد العزم، وتصحح التوجه والنية للتمسك بهذا الدين، والجهاد من أجل نصرته، ومحاربة من يصد عن سبيله ويقف في وجهه.
إن الحج فريضة عظمت في مناسكها، وجلت في مظاهرها، وسمت في ثمارها. عظيمة المنافع جمة الآثار، تضمنت من المنافع والمصالح ما لا يحصيه المحصون، ولا يقدر على عده العادون، بل لقد انتظم الحج من المقاصد أسماها، ومن الحكم أعلاها، ومن المنافع أعظمها وأزكاها، وقد نوه الله بهذه المنافع والمقاصد بميسور الكلام حين قال: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (الحج 27:28) . قال ابن عباس:"منافع الدنيا والآخرة".
إعلاء منار التوحيد:
وأول هذه المقاصد وأعلاها وأزكاها: إعلاء منار التوحيد، وإحياء ما درس من معالمه؛ وهذا أظهر المقاصد وأوضحها في رحلة الحج، بل هو ملازم لها من مبتداها بإخلاص النية وإطلاق الصوت بالتلبية، وإلى منتهاها مع آخر رمية حجر وجمرة في آخر أيام التشريق، وهي آخر أعمال الحج قبل أن يطوف الحاج طواف الوداع مودعا مكة إلى أهله.