فهرس الكتاب
لقد كان أهل الجاهلية يلبون، كانت قريش تلبي وتشرك بالله في تلبيتها:"... لبيك لا شريك لك.. إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك". فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فعلَّم أمته التوحيد الخالص من خلال هذه التلبية العظيمة الجميلة:"لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك .. لا شريك لك". أي طاعة لك بعد طاعة، وإنابة بعد إنابة .. توحيد لا شرك فيه، وإخلاص لا رياء معه؛ فكل عمل لا إخلاص فيه لا بركة فيه، ولا قبول له:"من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري فهو للذي أشرك وأنا منه بريء".
فأول درس من دروس الحج ينبغي أن يتعلمه الحاج وأن تعيه الأمة هو درس التوحيد والعودة إلى الله مرة أخرى في زمان تعددت فيه الآلهة وكثرت فيه المعبودات والمقصودات، ودرس فيه الإيمان في قلوب أهله، كما يدرس وشي الثوب، وترك الناس عبادة الله إلى عبادة غيره.. ما بين دعاء للأموات، واعتقاد في الأولياء أو الأدعياء، وعكوف على القبور، وتقديم للهدايا والنذور، وطلب الولد لمن لا تلد، والزواج لمن طال مكثها في بيت أبيها، أو شفاء مريض وإعادة غائب.
وما بين عابد لغير الله يبتغي منه النصر والعون والمدد، ويجعله ملاذه وأمنه، ويعتقد فيه من القوة ما لا يعتقده في ذات الله تعالى. وإذا مسهم ضر توجهت قلوبهم إلى معبوداتهم من دون الله على خلاف ما كان عليه أهل الشرك في شركهم: (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ) [الزمر:8] (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ) [لقمان:32] .
وأما أهل هذا الزمان فإذا مسهم ضر توجهوا إلى آلهة الأرض يتوكلون عليها ويستغيثون بها، ويتضرعون إليها، ويستنصرون بها، ويقدمون لها القرابين ولو كان القربان هو ذبح التوحيد والإيمان.
ناهيك عن عبادة الأهواء والأموال والزوجات والأولاد... فيأتي الحج ليغير على ذلك كله فيهدم عرش الشرك، ويقيم على أنقاضه صرح التوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فأنت الإله الحق، والمعبود بصدق، لا رب غيرك، ولا إله سواك، لبيك حقًّا حقّا.. لبيك تعبُّدًا ورِقَّا.
تجريد المتابعة
ومن دروس الحج أن تعلم الأمة وتتذكر وتستشعر، بل تستيقن أنه لا رفعة ولا سداد ولا توفيق ولا رشاد إلا باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم والسير على نهجه، والمسيرة الجادة على هديه في الاعتقاد والأعمال، والسلوك والأخلاق، وفي الحكم والتحاكم.
والحج درس في ذلك، وتدريب عملي سيفعله الحاج وتراه بقية الأمة.. مناسك معلومة وترتيب عجيب يفعله كل الحجاج في نفس الوقت والمكان، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقول عند كل منسك من مناسك الحج:"خذوا عني مناسككم". ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما:"حجوا كما حج النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تقولوا هذا سنة وهذا فرض".
وليس هذا في الحج فحسب، بل في كل مناحي حياة المسلم، لا بد من طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع هديه، وإلاَّ فالهاوية والهلاك في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) [النساء:65] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". وقال:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63] ،.
الاستسلام والإذعان لأمر الله
إن من أَسَرته مدنيته، وتسلطت عليه آلهة العوائد، وملكته المألوفات والشهوات، فإنه لا حريةَ له ولا انعتاق لديه، لاسيما مَن كان يَزِن كل شيء بعقله، ولا يَنشط لعمل، بل لا يمتثل لأمر إلا بعد حساب مادي دقيق، شأن عُبَّاد العقل و المادة، لكن الحج بوصفه الغامض المُغاير للمألوف، تحَدٍّ لأسارى النُّظم، وأرِقاء الترتيبات، ودعوةٌ للاستسلام المجرد والإيمان بالغيب، والخضوع المطلق لمراد المحبوب عز وجل، بدون طلب برهان، أو استناد إلى منطق أو دليل عقلي … وهذا الخضوع المطلق للأمر، والاستسلام الكلي لمقتضاه بتجرد عن بيان الحكمة… هو كمال رِقِّ الإنسان ومنتهى عبوديته للإله الأعظم سبحانه.