الصفحة 488 من 3812

إن الله تعالى قد وظف على الحجيج ـ كما يقول الإمام الغزالي ــ"أعمالا لا تأنسُ بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمالُ الرق و العبودية، فإن الزكاةَ إرفاق، ووجهه مفهوم، وللعقل إليه ميل، والصومَ كسرٌ للشهوة التي هي آلة عدو الله، وتفرغ للعبادة بالكفِّ عن الشواغل، والركوعَ والسجودَ في الصلاة تواضعٌ لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع… أما ترددات السعي ورمي الجمار، وأمثال هذه الأعمال فلا حظَّ للنفس فيها ولا أُنس للطبع فيها ولا اهتداءَ للعقل إلى معانيها؛ لأن كلَّ ما أدرك العقل معناه، مال الطبع إليه ميلا ما، فيكون الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحج على الخصوص:"لبيك بحجة حقا، تعبدا ورِقَّا"ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها … وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالُهم على سَنَن الانقياد، وعلى مقتضى الاستعباد، كان ما لا يُهتدى إلى معانيه أبلغَ أنواع التعبدات في تزكية النفوس، وصرفها عن مقتضى الطباع و الأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق."

درس في وحدة الأمة

ومن أعظم فوائد الحج أنه يؤكد وحدة الأمة الإسلامية التي قررها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، كما في قوله - تعالى -: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} ، فنجد فيه جميع المسلمين متحدين في أداء مناسك واحدة متفقة لا خلاف ولا تفرق فيها، فالجميع يطوفون ببيت واحد، ويسعون في مكان واحد، ويقفون جميعًا في صعيد واحد، ويتجهون إلى قبلة واحدة، ويتلون كتابًا واحدًا، ويعبدون ربًا واحدًا لا إله غيره، ويقتدون بنبي واحد، وكل ذلك مما يقوي الأخوة الإسلامية، والرابطة الدينية بين جميع المسلمين.. ألوان شتى، وأشكال متعددة وبلاد مختلفة، رفعت وحدة الدين اختلافها وجمعت قوة العقيدة بين قلوبها، وأعمال الحج بين أبدانها وأجسامها وأفعالها، فرفضت بالفعل فواصل القوميات والعرقيات والحزبيات، وبقي الشاهد أن هذه الأمة لا يوحدها إلا حداء العقيدة ونداء الإيمان كما قال تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} ، وقال: {إنما المؤمنون إخوة} ، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) ، وهذا المعنى السامي لو استشعره المسلمون وعملوا به، وطبقوه لقلّت واضمحلت أوجه الخلاف، وأسباب الفرقة بينهم، ولكانوا كالجسد الواحد، امتثالًا لأمر الله - تعالى -: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} .

الاعتدال والتوسط في كل الأمور

ومجانبة الغلو والإفراط والتفريط. روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة: ألقط لي حصى". فلقطت له حصى من حصى الخذف، فجعل ينفضهم في كفه ويقول:"بأمثال هؤلاء فارموا". ثم قال: أيها الناس! إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين". وما أحوج الأمة للاعتدال والتوسط دون إفراط أو تفريط، ودون غلو أو جفاء بل وسطية كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: من الآية143) .

وحدة التاريخ والغاية

فحين يعيش المسلم الحج سيرة وذكرى، أو مباشرة وفعلًا يسطر اسمه ويقيد نفسه كواحد من ذلك الركب العظيم الذي استجاب لدعوة المرسلين وأطاع رب العالمين؛ ذلك الركب الذي طالما قاد خطاه الأنبياء والمرسلون من لدن إبراهيم ومن قبله ومن بعده، نوح وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.

فيعلم المسلم أنه ليس وحده في هذا الطريق، بل سبقه فيه أنبياء ومرسلون، وأئمة مهتدون، وأتباع مؤمنون، عاشوا نفس الأزمات، وعاينوا نفس المواقف والعقبات، ولكنهم ثبتوا لها وصبروا عليها، فكانت لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة، وعلت على الأعداء كلمتهم، وارتفعت بالتلبية بالحج أصواتهم بعد أن عاش بعضهم زمنًا لا يستطيع أن يأتي البيت ولا أن يصلي فيه فضلًا عن أن يحج ويعتمر.

فإذا ذكرت ذلك اطمأن قلبك، وثبتت على الطريق قدمك، وما أحوجك إلى هذا الثبات في زمن الغربة وعلمت أن العاقبة لك كما كانت للمؤمنين ممن سبقك: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم:13، 14] .

وفي الحج من الحكم دون ذلك الشيء الكثير كتعلم التواضع ، وتذكر الآخرة ، وتجديد الإيمان برؤية أماكن العبادة ومواطن الدعوة .. وإنما هذا الذي ذكرناه قطرة من بحر، وغيض من فيض ومن تأمل تعلم، وصدق الله العظيم إذ يقول:"ليشهدوا منافع لهم".

هاتفك السماوي معطل!

عفوا ليس لديك رصيد يكفي لإتمام المكالمة. شحن البطارية قد نفذ من فضلك أعد شحن البطارية. ربما كان الهاتف الذي طلبته مغلقا. هذا الرقم غير موجود بالخدمة تأكد من الرقم المطلوب. جميع الخطوط مشغولة الآن أعد المحاولة في وقت آخر. شبكة الهاتف النقال لا تعمل الآن لظروف طارئة. صاحب الهاتف الذي تطلبه نائم .. مشغول .. في الخلاء .... معوقات لا أول لها من أخر تعوق الإنسان عن الوصول إلى من يرغب في الوقت الذي يرغب .

الإحساس القاتل بالوحدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت