الصفحة 491 من 3812

ذهب أحد الدعاة إلى ريف من أرياف المسلمين هناك، وأعطى نسخة من القرآن الكريم لعجوز مسلمة ربما جاوزت الستين عامًا، ففتحت عينيها مستغربة، تملؤها الدهشة، ثم جالت في نفسها ألوان من الأفكار والمشاعر، وفجأة أجهشت بالبكاء، وأخذت تقبِّل المصحف وتقلِّبه على وجهها، ثم راحت تجري تنادي أبناءها، وتتحدث معهم بلهفة، وكأنها تعرِّفهم بكنز مفقود طالما انتظروا الحصول عليه، ثم التفتت إلى الداعية وقالت له: لقد كان أبي يحدثنا أن جدَّه كان يملك نسخة من القرآن الكريم يتلو فيها على أبنائه!!

وبعد أحاديث عابرة أراد صاحبنا أن ينصرف مع رفاقه، فأبت عليهم، وألحَّت عليهم إلحاحًا شديدًا إلا دخلوا بيتها، فقبلوا دعوتها تطييبًا لخاطرها، ثم قالت على استحياء: هل يتيسّر لكم أن تعلِّموا أبنائي سورة الفاتحة، أما أنا فقد ذهب عمري؟! ولما أرادوا الانصراف قالت لهم: ليس عندي ما أجازيكم به، ولكن أرجو أن تقبلوا هذا - وأخرجت عملة روسية (الروبل) - عرفانًا بجميلكم ووفاءً بحقكم!!

إنها عاطفة بدأت تدبُّ فيها الحياة من جديد، لكنها في أغلب الأحوال عاطفة غير موجهة التوجيه الصحيح، وغير مستثمرة الاستثمار الأمثل؛ فالجهل يضرب بأطنابه في عقول الناس، ولهذا أصبح الانتماء إلى الإسلام عند كثير من الناس جزءًا من الانتماء العرقي والتاريخي، وأدى ذلك إلى انسياق عامتهم وراء حملات التغريب والعلمنة التي قادتها أمريكا وأوروبا التي افتتن فيها الناس جميعًا بمختلف أديانهم وأعراقهم، بعد أن تخلصوا من جحيم الكبت والذلة. لقد حرص الغرب على تصدير الحضارة الأخلاقية والاجتماعية الغربية إلى روسيا والجمهوريات المختلفة، وعدَّها سوقًا استهلاكية يسهل غزوها والتأثير عليها.

بل إن حملات التنصير الكاثوليكية والبروتستانتية لما وجدت الصدود والاستنكار من الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا الاتحادية وغيرها، وجَّهت حملاتها التنصيرية إلى مناطق المسلمين وبخاصة كازاخستان وأوزبكستان وطاجكستان، ووجدت فيها أرضًا خصبة يسهل غزوها والتأثير عليها.

إن المسلمين في روسيا الاتحادية وآسيا الوسطى يمثلون عمقًا استراتيجيًا في غاية الأهمية، كما يمثلون ثقلًا بشريًا لا يمكن الاستهانة به على الإطلاق، ولكن مع الأسف الشديد كان الملتفت الأكبر لهم من المسلمين: تركيا العلمانية، وإيران...!! فهل ندرك أهمية تلك المناطق.. أو نطويها كما طويت مناطق أخرى من مناطق المسلمين؟!

وهل نسعى بجد إلى إعادة الهوية الضائعة إلى المسلمين؟! وهل نستغل تلك العاطفة المتقدة في نفوسهم، أو ننساهم كما نسينا غيرهم؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* في البناء الدعوي: 186

ماذا بعد رمضان؟!

سلام من الرحمن كل أوان.. ... ..على خير شهر قد مضى وزمان

سلام على شهر الصيام فإنه.. ... ..أمان من الرحمن كل أمان

لئن فنيت أيامك الغر بغتة .. ... .. فما الحزن من قلبي عليك بفان

هاهو شهر رمضان قد مضى .. مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة، مضى وخلّف الناس بعده بين شقي وسعيد، وفائز وخاسر.

لقد فاز في رمضان من فاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران. وخسر من خسر بسبب الغفلة والبطلان، والذنوب والعصيان، فليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود فنعزيه..

وإن امرءًا ينجو من النار بعد ما.. ... .. تزود من أعمالها لسعيد

الاستقامة

ونحن ما زلنا نعيش في آثار نفحات رمضان يجب علينا أن نقف لنتساءل ماذا بعد؟

ماذا بعد أن انقضى رمضان؟ وما هو حالنا بعد أيام قليلة من رمضان؟ ماذا بعد شهر الرحمة والغفران؟ وماذا بعد شهر التوبة والرضوان؟ ماذا بعد أن اكتحلت عيوننا بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزت جباهنا بالخضوع والذلة لرب الأرض والسماء؟ بعد أن عاينا القرب والإقبال وشاهدناه، القرب من الله لعباده، والقرب من العباد إلى الله، ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا.

بعد أن عايشنا كل ذلك، كان ولا بد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟

والإجابة نزل بها الوحي منذ مئات السنين، وأجاب النبي الأمين - صَلى الله عليه وسلم - على السائلين الطالبين العلاج الناجع والدواء النافع، فقال:"قل آمنت بالله ثم استقم".

إذا كان الله قد حباك بشجرة الإيمان، فيلزمك أيها الموحد معها وتحت ظلها أن تستقيم وأن تعتصم بالسير على الطريق، وأن لا تحيد عنه. الاستقامة.. إنها العلاج، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت:30] .

قال أبو بكر: استقاموا فعلًا كما استقاموا قولًا.

قال عمر بن الخطاب:"لم يروغوا روغان الثعالب".

فيا من رفعت كفيك في رمضان طالبًا الهداية، راغبًا الإنابة، زاعمًا الرجوع، مدعيا الإقبال، هل صدقت في زعمك، ووفيت مع الله بعد رمضان؟ أم أنك رغت روغان الثعلب فتعاملت مع الله بذمتين: ذمة رمضانية، وذمة غير رمضانية، ولقيت الله بوجهين، وقد قال النبي - صَلى الله عليه وسلم:"شر الناس ذو الوجهين"فكان حالك قريبًا من حال المنافقين. (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [البقرة:14، 15] .

أسباب معينة

الاستقامة هي الحل وهي السبيل، وهذه الاستقامة لا تتأتى بالأماني، وإنما لها شرائط وأسباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت