فهرس الكتاب
وكان عثمان بن عفان - رضى الله عنه - يقول:"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وحين أنكر الخوارج ضرورة الخلافة، قال على بن أبى طالب - رضى الله عنه:"لابد للناس من إمارة، برة كانت أو فاجرة، فقيل يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: تقام بها الحدود وتأمن السبل ويخشاها العدو ويقسم بها الفيء."
وقد سمعنا عن مدارس تخريج القادة، وتكلم آخرون عن صفات القائد الذي لا يقر ولا يستقر ولا يعرف كللًا ولا مللًا ولا يطلب راحة ولا هدوءًا دون تحقيق الهدف الذي يصبوا إليه، وأن هؤلاء قلة في العالم، ولو كانوا كثيرين لأحدثوا في كل يوم انقلابًا، ويذكرون لنا الأمثلة على هؤلاء القادة كنابليون بونابرت، وهتلر، وجيفارا، وماوتسى تونج، وكاسترو... ولا تكاد تسمع إلا أسماء ليس لله فيها نصيب، وكثرة ممن كتبوا عن القيادة، إذا ذكروا اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وأدخلوه في مصاف القادة العظام، فلابد عندهم من تعريته من صفة الوحي والنبوة. ولذلك كان لابد من مراجعة وتدقيق وتمحيص، فما هو مفهوم القيادة، ومن الذي رباهم، وما هي مناهج تربيتهم؟ فقد لا يصلح ذلك كله لتربية الجنود فضلًا عن القادة، والميزان في هذا وغيره هو هذا المنهج الكامل الشامل لكل ناحية من نواحي الحياة )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ("المائدة:3"، ) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُو اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ("الملك:14".
فموازين القيادة الحقة محفوظة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نتعداها لغيرها، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون، وما ترك الصادق المصدوق - صلوات الله وسلامه عليه خيرًا يقرب الأمة من ربها إلا ودلها عليه، ولم يترك شرًا يباعد الأمة عن الله عز وجل إلا حذرها منه ونهاها عنه وأمرها باجتنابه، وإذا ورد شرع الله بطل نهر معقل، فهل من يعقل، وما علينا إلا أن نقول )سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ("البقرة:285".
القيادة المرادة
نريد قيادة ترضى ربها، وتضع الإسلام نصب عينيها تأتلف حولها القلوب، وتتحقق على يديها للبلاد والعباد خيرات الدنيا ونعيم الآخرة، وهذا لا يتحقق إلا بمتابعة منهج الأنبياء والمرسلين )أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ("الأنعام:90".. أما أن يلعن القادة الأتباع، والأتباع القادة ويسفك بعضهم دماء بعض، فلا خير فيهم وباطن الأرض خير لهم من ظاهرها.
لقد بعث ربنا عز وجل للبشر رسلًا، كانوا هم القدوة والقادة، انظر في قصة نبي الله نوح عليه السلام - واجه أمة كافرة، ظل يدعوها ألف سنة إلا خمسين عامًا، قال لهم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وفي هذا خيرهم وسعادتهم في العاجل والآجل، فكانوا يؤذونه حتى يغمى عليه، فإذا أفاق دعاهم إلى الله وحده، لم تضعف عزيمته، بل واصل الليل بالنهار ودعاهم بالسر والجهار، وفي النهاية ما آمن معه إلا قليل، والقادة الحقيقيون لا يعرفون بكثرة الأتباع ولا بقلتهم، ولكن بمقدار قربهم للحق، وانشغالهم بمعالي الأمور وأشرافها، وهكذا كان نبي الله نوح فمهمته هي أعظم مهمة، وعزيمته تضعف أمامها الجبال.
وقد كان نبي الله إبراهيم عليه السلام أمة وحده )إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين َشَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم("النحل:120 - 121"، تعرف ذلك من دعوته لأبيه ومواجهته لقومه ومناظرته للنمروذ، وتسليمه لأمر الله، وإقامته لدين الله.
وانظر في دعوة نبي الله موسى- عليه السلام - لقد واجه فرعون والملأ، وصبر على دعوة بنى إسرائيل وتعبيدهم لله عز وعلا، ارتحل إلى مدين، وقد تجمعت فيه معاني القيادة: القوة والأمانة ولذلك قالت ابنة شعيب لأبيها )يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ("القصص:26"، وكان لسان حاله ينطق قبل مقاله ) وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى("طه:84".
ونبينا صلى الله عليه وسلم هو سيد القادات وقائد السادات، دعوته وسيرته وأخلاقه هي الأسوة والقدوة لتربية القادة وقيادة الدنيا ) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا("الأحزاب:21"، فقد خرَّج النبي صلى الله عليه وسلم علماء ورجالًا وقادة لا كالقادة، لهم أوفر الحظ والنصيب من واقعه الذي نطق"والله لو جعلوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".. استعلوا على الدنيا وحطامها الفاني، فكانوا سادة وقادة، يقول أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - أينقص الإسلام وأنا حي، قاتل المرتدين، وقال والله لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين ما حللت لواءً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما صحب الأنبياء مثله - رضى الله عنه - يقول عنه عمر:"رحم الله أبا بكر كان أعرف منى بالرجال".
وتولى عمر الفاروق الخلافة من بعده، وهو القوي في دين الله، سار بالعدل في الرعية وكان مُحَدَّثًا، وافق الوحي في أكثر من موضع، وكان يتخوف أن تتعثر شاه بوادي الفرات، فيسأل عنها يوم القيامة لماذا لم يمهد لها الطريق. قال يومًا:"أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أقضيت ما علي؟ قالوا: نعم، قال: لا حتى أنظر في عمله، أقام بما أمرته أم لا."