الصفحة 501 من 3812

ويأتي من بعده عمر رضى الله عنه يقول:"إني لا أعد للحادث الذي يحدث سوى طاعة الله ورسوله، هذا هو الذي بلغنا به ما بلغنا". وقال لأبى عبيدة - رضى الله عنه:"إنّا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين فمهما نطلب العز في غيره أذلنا الله".

وكان أبو عبيدة - رضى الله عنه- يسير وسط الجيش و يقول:"رب مبيض لثوبه مدنس لدينه، رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات".

وقال أبو الدرداء رضى الله عنه:"أدركنا الناس ورقًا لا شوك فيه، فصاروا شوكًا لا ورق فيه". وكان إذا رأى جنازة يقول:"اغدوا فإنا راحون، وروحوا فإنا غادون، موعظة بليغة وغفلة سريعة، يروح الأول ولا يعتبر الآخر".

مواقف هادية، وكلمات من نور، قتل مصعب يوم أحد بعد ما قطعت يداه وهو يقرأ قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:144)

ونفس الأمر بالنسبة لخبيب بن عدى عندما أخذه المشركون لقتله، سألهم المهلة حتى يصلي لله ركعتين، لم يطلب شيئا يأكله ولا أن يرى زوجة أو ولدًا، وإنما كانت أمنيته في هذه اللحظات أن يبعث بسلامه لرسول الله صلى الله عليه و سلم، قال: اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، ولم أر أحدًا يقرئ رسولك مني السلام، فأقرئه مني السلام، ثم وقع خبيب صريعًا وهو يردد:

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا . على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ .. .... .. يبارك على أوصال شلو ممزع

بركة في كل شيء

وهكذا لو تتبعت حياة هؤلاء الأفاضل لوجدت بركة واضحة في كلامهم وفي كل شئ، وهذه البركة من الله، ولا تطلب إلا بطاعته سبحانه، فيبارك إن شاء في المكان والزمان والقول والفعل.. وقد وردت الآيات تصف بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأشياء بالبركة ومن ذلك قوله تعالى: )إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ("آل عمران:69"، وقال عن نبيه عيسى عليه السلام: ) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت ("مريم:30"وقال: ) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا ("ق:9"، وقال سبحانه عن كتابه ) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ("الأنعام:155"وقال ) وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ("الأنبياء:50"... والنصوص في هذا المعنى كثيرة.

أسباب تحصيل البركة

لا شك أن طاعة الله هي أول تلك الأسباب فبها يكون حلول النماء والزيادة والبركة، ومن جملة ذلك بر الوالدين و صلة الأرحام"فمن أراد أن ينسأ له في عمره ويبارك له في رزقه فليصل رحمه"، والمعصية ضد ذلك و"إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".

كما وأن الدعاء من أعظم أسباب حلول البركات ولذا كثر ذكرها في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ففي دعاء القنوت الذي علمه لسبطه الحسن:"وبارك لي فيما أعطيت"، وفي دعاء الاستخارة يقول:"اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لى ثم بارك لى فيه"، ويقال للزوج عقب عقد النكاح:"بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير"، وإذا فرغ من طعامه قال:"اللهم بارك لنا فيه وأعطنا خيرًا منه"وإذا شرب لبنًا قال"اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه"وإذا رأى من نفسه أو ولده أو ماله أو غير ذلك شيئًا فأعجبه، وخاف أن يصيبه بعينه، أو يتضرر بذلك قال"اللهم بارك فيه ولا تضره"والأدعية كثيرة في هذا المعنى.

وإذا كانت البركة من الله، فلا يجوز طلبها من المقبورين، كما لا يجوز التبرك بالأشجار والأحجار إلا الحجر الأسود، وقد كان الصحابة يتبركون بفضل وضوء النبي صلى الله عليه و سلم وطيبه و نحو ذلك.

والناظر سيجد أن البركة تتناقص من جيل إلى جيل.. ففي أحاديث أمارات الساعة"يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ويكون الشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة"رواه أحمد والترمذى وقال ابن كثير: إسناده على شرط مسلم.

وفي الحديث الذي رواه البخاري:"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان"..

فإذا كنا نعاني من قلة البركة في الأقوال والأفعال، فهذا الأمر يحكي لنا التناسب الواضح بين حالة الكون من حولنا وبين ما نحن عليه من قلة التقوى، وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم أن هذه البركة المنزوعة ترد قرب قيام الساعة، وذلك بعد إهلاك الدجال و يأجوج و مأجوج ببركة دعاء المسيح عليه السلام . قال صلي الله عليه وسلم"ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة ثم يقال للأرض انبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة "الحديث رواه الجماعة . فاللهم بارك لنا في أقوالنا وأفعالنا وبارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

تربية القادة لا تربية العبيد

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فالقيادة شأنها عظيم وخطير، حتى اعتبر البعض ضعف القيادة من أعظم مشاكل المسلمين المعاصرة، وقال:"المسلمون إلى خير ولكن الضعف في القيادة. وقال الآخر:"القيادة شطر القضية، وشطرها الآخر الأمة بمجموع أفرادها"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت