فهرس الكتاب
ولا يظنن ظان أن هذه الدعوة أشبه بالدعوة إلى القشور، فنحن لا نتبرم بإيضاح سنة مهملة حتى وإن كانت مستحبة، فضلًا عن أن تكون بهذا القدر الذي بيناه، وفي الوقت ذاته ندرك أن التهاون في المستحبات يجر إلى التهاون في الواجبات، وشأن من علت همته أن يهتم بالواجب والمستحب في العلم والعمل والدعوة إلى الله، ولا نقبل تقسيم الدين إلى قشر ولباب مع اعترافنا بمبدأ الأولويات (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب) "الحج:32"والقشرة لابد منها لحفظ الثمرة، إذ التفاحة تفسد إذا نزعت قشرتها، فاحرص على اغتنام مواسم الفضل كالأشهر الحرم، وشهر شعبان ورمضان، ويوم عرفة وعاشوراء وأيام العيدين والتشريق .... وتقرب فيها إلى الله بكل طاعة يحبها، واحذر الابتداع كالاحتفال بالمولد النبوي والهجرة وذكرى الإسراء والمعراج .... وأحسن المسير إلى ربك، واعلم أن السنة شجرة والشهور فيها فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما الجذاذ يوم المعاد، فعند ذلك يتبين حلوالثمار من مرها، كما ذكر ابن القيم - رحمه الله - والكل مسافر في هذه الدار إلى ربه، ومدة سفرك عمرك، والأيام والليالى مراحل، فالعاقل لا يزال مهتمًا بقطع المراحل فيما يقربه إلى الله ليجد ما قدم محضرًا، فكن أنت ذلك الرجل، وإن وفقت وسددت فقل ) وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
بركة الكلمة
أفضل الكلام، كلام الله تعالى، وهو حبل الله المتين وذكره الحكيم وصراطه المستقيم.. من عمل به أجر ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم، لا تشبع منه العلماء ولا تلتبس به الألسن، ولا تزيغ به الأهواء، ومن تركه واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.. سمعه الوليد بن المغيرة - المشرك - فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر.
وأفضل الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم، الذي أوتى جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى) "النجم:4"، فكما تجد الإعجاز في إيجاز الآيات البينات، كما في مثل قوله تعالى: (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ولا تَخَافِي ولا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) "القصص:7"، فكذلك الأمر في حديث النبي صلى الله عليه و سلم، تجد المعاني الكثيرة تصاغ في أوجز عبارة كما في حديث سفيان بن عبد الله:"قل أمنت بالله ثم استقم"وحديث"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"..
فإذا نظرت في كلام سلفنا الصالح ومن تابعهم بإحسان وجدت لكلامهم أوفر الحظ والنصيب مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلماتهم مختصرة موجزة، معانيها كثيرة وفوائدها غزيرة ووفيرة, وذلك بعكس الكلمات التي نتكلم بها فقد لا تصفو على شئ رغم كثرتها، وإن صفت على معنى مفيد كان قليل البركة.. راقب نفسك فلسانك لا يكف عن القيل و القال, وكل ذلك ليس لله فيه نصيب، ولعل هذا المعنى هو الذي استلفت نظر البعض فسال أحد العلماء: لماذا كان كلام السلف انفع من كلامنا؟ قال العالم: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلبًا للدنيا ولرضا الخلق.
لما سمع زين العابدين على بن الحسين موعظة للحسن، قال سبحان الله هذا كلام صديق.. قيل لعبد الواحد صاحب الحسن البصري: بأي شئ بلغ الحسن فيكم ما بلغ وكان فيكم علماء وفقهاء؟ قال: كان الحسن إذا أمر بشيء كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن شئ كان أترك الناس له، عنايته بالرقائق والزهد فإن سأله إنسان غيرها تبرم وقال:"إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر".
غالب مواعظه في ذم الدنيا والنهى عن طول الأمل والأمر بتزكية النفوس وتصحيح المقاصد والنيات، والوعاظ كانوا علماء فقهاء، قال الإمام احمد: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق في الحديث، إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج لكم من بركات الأرض، قيل وما بركات الأرض، قال: زهرة الدنيا. ولذا كان الحسن يقول: والله ما عجبت من شئ كعجبي من رجل لا يحسب حب الدنيا من الكبائر، وايم الله إن حبها لمن أكبر الكبائر، وهل تشعبت الكبائر إلا من أجلها، وهل عبدت الأصنام وعصي الرحمن إلا لحب الدنيا، فالعارف لا يجزع من ذلها ولا ينافس بقربها ولا يأسى لبعدها.
كلماتهم كانت مباركة، وكلما اقتربنا من عهد النبوة كانت الكلمات في قمة بركتها، انظر في قول أبى بكر الصديق- رضى الله عنه:"أتقتلون رجلًا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم"وذلك لما اجتمعت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذونه. وقوله لعمر - رضى الله عنه - يوم الحديبية:"الزم غرزه فإنه على الحق". وكان عمر قد تساءل: أو لسنا على الحق، أوليس رسول الله حقًا". وقوله صبيحة الإسراء والمعراج:"إن كان قال فقد صدق، فوالله إني لأصدقه في أكثر من ذلك، أصدقه في خبر السماء"."
ويوم الهجرة كان يتذكر الرصد فيتقدم أمام النبي صلى الله عليه و سلم فإذا تذكر الطلب و تحول خلفه،، يسير تارة عن يمينه، وتارة عن شماله، ويقول:"إن أهلك أهلك وحدي، وإن تهلك تهلك معك الدعوة".