الصفحة 499 من 3812

لقد تفنن الأعداء وأذنابهم في تنفير المسلمين من كل شئ له علاقة بالدين كاللغة العربية والأشهر العربية، واستخدموا في ذلك كل أساليب الغزو الفكري، حتى وصل بنا الحال إلى أن أصبحنا نضاهي الغرب في كل شئ حتى في شهوره وما ارتبط بها من بدع وانحرافات. والثابت أن الشرائع قبلنا إنما علقت الأحكام بالأهلة وإنما بدل من بدل من أتباعهم، كما يفعله اليهود في جعل بعض الأعياد بالسنة الشمسية، وكما تفعله النصارى في صومها وأعيادها . وما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الاضطراب، فلا يجوز بعد ذلك أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وإذا كان تبديل شهر عربي مكان آخر يذم به فاعله كمن بدل صفر مكان رجب، ورجب مكان صفر، فكيف بمن ترك العمل بالأشهر العربية جملة وتفصيلًا واستبدلها بالأشهر الميلادية أو الإفرنجية، قال تعالى: )إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ("التوبة:37".. قال ابن كثير - رحمه الله:"هذا مما ذم الله به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة وتحليلهم ما حرم الله، وتحريمهم ما أحل الله"..ا.هـ.

والنسيء هو تأخيرهم شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثأر على نحو ما ذكره ابن إسحاق، وهو تأخيرهم الحج عن وقته تحريًا منهم للسنة الشمسية، وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع بعد أن استدار الزمان، ووقعت حجته صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة، فقال في خطبته المشهورة في الصحيحين وغيرهما:"إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذوالقعدة، وذوالحجة، ومحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".

يقول ابن تيمية رحمه الله:"ومن عرف ما دخل على أهل الكتابين والصابئين والمجوس، وغيرهم في أعيادهم وعباداتهم وتواريخهم وغير ذلك من أمورهم من الاضطراب والحرج، وغير ذلك من المفاسد، ازداد شكره على نعمة الإسلام مع اتفاقهم أن الأنبياء لم يشرعوا شيئًا من ذلك، وإنما دخل عليهم ذلك من جهة المتفلسفة الصابئة الذين أدخلوا في ملتهم وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فلهذا ذكرنا حفظًا لهذا الدين عن إدخال المفسدين، فإن هذا مما يخاف تغييره، فإنه قد كانت العرب في جاهليتها قد غيرت ملة إبراهيم بالنسيء الذي ابتدعته."

وقد اعتبر العلماء أن من جملة مظاهر موالاة الكافرين التأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي، والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح عليه السلام، والذي ابتدعوه من أنفسهم، وليس هو من دين المسيح. فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم، وإقامة الملة الحنيفية تقتضي مخالفة المشركين وسائر أصناف أهل الجحيم وعدم التشبه بهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من تشبه بقوم فهو منهم". وتشابه الظواهر قد يجر إلى تشابه البواطن ولذلك فالخطر عظيم في متابعتهم في أشهرهم الإفرنجية وترك الأشهر العربية، وقد ابتدأ عمر رضي الله عنه التاريخ الهجري، وذلك باتفاق الصحابة - رضى الله عنهم - بالعام الذي هاجر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشهر الله محرم . وقد فعلوا ذلك مع معرفتهم بتواريخ الفرس والروم، فخالفوهم عن عمد:

والخير كل الخير في اتباع من سلف ... والشر كل الشر في ابتداع من خلف

وما لم يكن يومئذ دينًا فليس اليوم دينًا، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك - رحمه الله -.

وقد حذر العلماء من الرقى بالأعجمية وبالكلمات الشركية والغير مفهومة فقد تنطوي على مخالفات شرعية ونفس الأمر يقال في الأشهر الإفرنجية، فشهر إبريل (نيسان) وهو الشهر الرابع من السنة الإفرنجية كان يمثل مطلع الربيع وكان الرومان قد خصصوا اليوم الأول من هذا الشهر لاحتفالات"فينوس"وهو آلهة الحب والجمال وملكة المرح والضحك والسعادة عندهم، وأما الأقوام الساكسونية فكانت تحتفل في هذا الشهر بعيد آلهتهم"إيستر"وهي إحدى آلهتهم القديمة وهو الاسم الذي يطلق عليه الآن"عيد الفصح"عند النصارى في اللغة الإنجليزية، وقد اقترن هذا الشهر بما يسمى بكذبة إبريل!! وعامة الأشهر الميلادية لا تقل في فساد معناها عن شهر إبريل، فمن أراد اليوم أن يتكلم بشهر مارس وإبريل فليس له أن يتناسى شهر رجب وذي القعدة، وعليه أن يحذر المعاني الفاسدة الموجودة في الأشهر الإفرنجية ويحذر منها الناس، وقد سئل الإمام أحمد، فقيل له: إن للفرس أيامًا وشهورًا يسمونها بأسماء لا تعرف، فكره ذلك أشد الكراهة، وروى عن مجاهد أنه كان يكره أن يقال: آذارماه. وورد في الخبر:"من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق". وكان عمر ينهي عن الرطانة مطلقًا، فالعمل بالأشهر العربية مسئوليتنا جميعًا، وعلى الدعاة بصفة أخص أن يشيعوا مفاهيم الهدى في البلاد وبين العباد:"ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله"رواه مسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت