فهرس الكتاب
والوصية بالأشهر العربية هي من الوصية بتقوى الله تعالى التي أمر بها الأولين والآخرين )وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ ("النساء:131"وهذه الأشهر هي على التوالي: المحرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأول، جمادى الثاني، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة. قال تعالى: ) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ("التوبة:36"قال القرطبي:"هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرًا، لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر, وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج ."
والشهر العربي يثبت برؤية الهلال أو إكمال عدة الشهر السابق ثلاثين يومًا لحديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا""رواه البخاري ومسلم".
وقد ثبت العمل بالهلال وترتب الأحكام عليه بقوله تعالى: )يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ("البقرة:189"فأخبر سبحانه أنها مواقيت للناس، وهذا عام في جميع أمورهم، وخص الحج بالذكر تمييزًا له، ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم، ولأنه يكون في آخر شهور الحول، فيكون علمًا على الحول، كما أن الهلال علم على الشهر، أما الشمس فلم يعلق لنا بها حساب شهر ولا سنة، وإنما علق ذلك بالهلال، فالشهر هلالي بالاضطرار ويسن عند رؤية الهلال أو العلم به أن نقول:"الله أكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله""رواه الدارمي بسند صحيح".
ولم تكن الأمة تعمل في دخول الشهر وخروجه، وتحديد الليل والنهار، أو في معرفة وقت الفجر وغيره بالحسابات الفلكية، وقد وردت النصوص الشرعية بتحديد كل وقت على حدة، ومن ذلك ما رواه مسلم"لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا"ويستطير أي ينتشر ضوؤه في الأفق بخلاف المستطيل الذي يظهر ثم يختفي، وقد أوضح العلماء أن العمل في رؤية الهلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال، لا يصح التعويل فيها على الحسابات، وهذا بالنص والإجماع، وعلى ذلك جرى العمل في قرون الخيرية الثلاثة، وما ذهب إليه بعض المتأخرين من جواز العمل بالحساب إذا غم الهلال قول شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، ولو صح هذا القول - وهو غير صحيح - فيحمل على الإغمام ويختص بالحاسب، أي أنه لا يجوز تعميمه أو إطلاقه على عواهنه، يقول ابن تيمية:"والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل، وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي ... ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعًا مضطربًا، وأئمتهم كبطليموس لم يتكلموا في ذلك بحرف لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي... ا.هـ. وقال الشيخ ابن باز - رحمه الله:"أما توحيد التقويم بالحساب فلا مانع أن يعتمد عليه في المسائل الإدارية ونحوها وللإيضاح والنصيحة وبراءة الذمة رأيت نشر هذا البيان". وكان قد أوضح - رحمه الله - أن إثبات الأهلة والأحكام الشرعية إنما يكون بالرؤية أو بإكمال العدد."
ومن هنا تدرك خطأ تعليق الأحكام الشرعية على الحساب وولادة القمر واختراع التلسكوب والقمر الصناعي، فإن مدار الأمر على ثبوت الرؤية بالعين البصرية، وقد اتفق العلماء على أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، فقال له هذا اليوم هو أول يوم من رمضان، أنه لا يعمل بهذه الرؤيا المنامية، إذ مدار الأمر على ما ذكرنا، والواجب علينا أن ندور مع إسلامنا حيث دار، ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج عن ذلك إلى الأخذ بالحساب أو الكتاب، كالجداول وحساب التقويم والتعديل... قد أدخل في الإسلام ما ليس منه فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابل به أهل البدع، وحسبك أن تكتفي بما أغناك الله وبينه لك.