الصفحة 519 من 3812

فاصنع كما صنع صاحب يس، وهوالذي سماه الله رجلا وما أقلهم - أتى من أقصى المدينة يسعى قال: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) "يس:20-21", فلما أخذوه وعاجلوه بالقتل نصحهم ميتًا كما نصحهم حيًا، قال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) "يس:26-27".

وهكذا فمحبة الخير للناس تجرى من المؤمن مجرى الدم من العروق، ولذلك فلسان حاله ومقاله يردد ما قاله مؤمن من آل فرعون: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) "غافر:38-43".

فما الذي يمنعك من أن تذكر بآية بينة, أو سنة هادية أو قصة هادفة, وقد تكون هذه الساعة هي ساعة قيامتك, أو ساعة رحيل وانتقال من تذكر فتلقى ربك على عمل صالح وتكون بذلك قد بلغت الرسالة, وأديت الأمانة, ونصحت لإخوانك وأمتك, وأعذرت نفسك بين يدي ربك بالبلاغ وعساها توافق ساعة إجابة, والدال على خير كفاعله, ولأن يهدى الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم، وحسبك أن تقوم مقام الدعوة وتستن بسنن الأنبياء و المرسلين (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) "الأنعام:90", فاحذر من إضاعة الحقوق, ولا تبخل بهذه الساعة, فإن الله أحق أن يطاع فلا يعصى, وأن يذكر فلا ينسى, وأن يشكر فلا يكفر, وأنت ممن يحب أن يطاع الله في الأرض, وأن يكثر عدد المطيعين, ولو قرض لحمك بالمقاريض ونشرت بالمناشير, فابذلها ولا تبالي سواء كانت بالليل أو بالنهار, فلك في نبي الله نوح أسوة حسنة (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) .

اتهم نفسك

فإذا وجدت نفورًا أو إعراضًا فاتهم نفسك أولًا قبل أن تتهم الخلائق, وقل: لعلى لم أخاطب الناس على قدر عقولهم, وربما أضفت لشبهاتهم شبهات, وأكون بذلك قد أعنت الشياطين على نفوسهم، ولم أعنهم على طاعة الله, ولعل هذه الساعة لم تكن خالصة لوجه الله, ولذلك لم يحدث القبول, فاجمع قلبك على لسانك, وتوجه لخالق الأرض و السموات بالدعاء, وانتقل من هذه الساعة إلى ساعة أخرى أفضل, واجعل حياتك وقفات على طريق الاستقامة, فأنفاسك تعد, ورحالك تشد, وعاريتك ترد, والتراب من بعد ذلك ينتظر الخد, وعلى أثر من سلف يمشى من خلف, وما عقبى الباقي غير اللحاق بالماضي, وما ثم إلا أمل مكذوب وأجل مكتوب (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) "الجمعة:8".

أيها الغادي: قف ساعة وتفكر من أنت؟ وإلى أين المصير؟ أراحل أنت أم مقيم؟ وإذا كنت مرتحلًا فإلى أين؟ أإلى جنة أم إلى نار؟ فالحياة بغير الله سراب (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) "النور:39".. ساعة نقيم فيها واجب العبودية, فلهذا خلقنا, ونعيش فيها طاعة الوقت, ولا بورك في الأعمار والأنفاس إن لم تكن الحياة طاعة وعبودية لله, ساعة لن تخيب ولن تضيع بها, فما خاب ولا ضاع من تعامل مع الله.. كان شداد بن أوس يقول:"إذا رأيت الرجل يعمل بطاعة الله فاعلم أن لها عنده أخوات, وإذا رأيت الرجل يعمل بمعصية الله, فاعلم أن لها عنده أخوات, فإن الطاعة تدل على أختها وإن المعصية تدل على أختها (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) "الليل:5-10". وكان أيضًا يقول:"اعلموا أنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه, ولن تروا من الشر إلا أسبابه, الخير بحذافيره في الجنة, والشر بحذافيره في النار, والدنيا عرض حاضر يأكل منها البار والفاجر, والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر, ولكل دار بنون, فكونوا من أبناء الآخرة, ولا تكونوا من أبناء الدنيا.

درر من كلام السلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت