الصفحة 520 من 3812

لقد تكلم سلفنا الصالح طلبًا للآخرة ولنجاة النفوس ورضى الرحمن, وتكلمنا نحن طلبًا للدنيا ورضى الخلق, وعزة النفس, فكانت كلماتهم أبرك من كلماتنا, كان لهم حظ ونصيب مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم, فقد أوتى جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه, كلمات قليلة, ولكنها حوت المعاني الكثيرة والعظيمة.. فماذا يمنعك من أن تستعير بعضها وتذكر بها؟!

ومن هذه الكلمات الطيبات ما رواه الأحنف ين قيس قال: قال لي عمر بن الخطاب: يا أحنف، من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شئ عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه.

وقال عمر وهو يعظ رجلًا: لا تكلَّم فيما لا يعنيك، واعرف عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا تمشِ مع الفاجر فيعلمك من فجوره، ولا تطلعه على سرك، ولا تشاور في أمرك إلا الذين يخشون الله عز وجل.

وخطب عثمان - رضى الله عنه - فقال:"بادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، ألا وإن الدنيا قد طويت على الغرور ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) ، واعتبروا بمن مضى، ثم جدّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثروها وعمروها وتمتعوا بها طويلًا؟ ألم تلفظهم، ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلًا فقال عز وجل: ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ُ) ."

وعن على - رضى الله عنه - قال:"ألا إن الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ولا يؤمنهم من عذاب الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله، ولا تدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، ولا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم فيه، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها". وقال يومًا: أما بعد:"فإن المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، ويسره درك ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحًا، وما فاتك منها فلا تأس عليه حزنًا، وليكن همك فيما بعد الموت".

وكان ابن مسعود إذا قعد يذكر يقول:"إنكم في ممر من الليل و النهار، في آجال منقوصة وأعمال محفوظة، والموت يأتى بغتة، فمن زرع خيرًا فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطئ بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فمن أعطى خيرًا فالله أعطاه، ومن وقى شرًا فالله وقاه، المتقون سادة و الفقهاء قادة، ومجالسهم زيادة".

وقال:"من اليقين أن لا ترضى الناس بسخط الله، ولا تحمدن أحدًا على رزق الله، ولا تلومن أحدًا على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه حرص الحريص، ولا يرده كره الكاره، وإن الله بقسطه و حكمه وعلمه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط".

وعن سلمان الفارسي قال:"ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل دنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه لا يدرى أساخط رب العالمين عليه أم راضٍ عنه؟!، وثلاث أحزنتني حتى أبكتني: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي ربى عز وجل ولا أدرى إلى جنة أو إلى نار."

وعن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال: يا أيها الناس، أنا جندب الغفاري، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق، فاكتنفه الناس، فقال:"أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرًا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا بلى، قال: فإن سفر طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا ما يصلحكم. قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يومًا شديد حره ليوم النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرها.. اجعل الدنيا مجلسين: مجلسًا في طلب الحلال، ومجلسًا في طلب الآخرة، الثالث يضرك ولا ينفعك فلا ترده، اجعل المال درهمين: درهمًا تنفقه على عيالك من حله، ودرهمًا تقدمه لآخرتك، الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده، ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس، قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدًا."

وقد تحتاج لمخاطبة الناس على قدر عقولهم، ولتبسيط الوعظ القديم فافعل كما فعل بشر الحافي، قال: إن في هذه الدار نملة تجمع الحب لتأكله في الشتاء، فبينما هي في يوم إذ أخذت بفمها حبة، وجاءها عصفور، فأخذها هي والحبة فلا ما جمعت أكلت ولا ما أملت نالت.

أنت على الدرب تسير، ودعوتك وتذكيرك بالسلوك أبلغ من تذكيرك بالقول فإن وفقت وسددت فقل: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

إذا عز أخوك فهن ..

الناظر فيما يكتب اليوم في الإنترنت؛ يلحظ جرأة محمودة في الطرح والتناول للقضايا؛ تؤذن بانقراض زمن الصمت, وميلاد عصر المشاركة, والمصارحة, وحوار الآراء.

وعلينا أن نتقبل هذا الواقع لاعتبارات كثيرة؛ من أهمهما: أنه يفضي إلى تكريس دور الفرد, وواجبه ومسؤوليته، ويخفف في نهاية المطاف من الاحتقان والتوتر الناجم عن المصادرة والإلغاء، والقضاء على خصوصية الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت