فهرس الكتاب
فقضية خروج الدعاة عن نطاق الخدمة معناه تعطيل"دينامو"الدعوة وتحطيم القدرات ونكران وجحد المواهب، والركون إلى السراب في صنع المجد والعزة التي نريد، فالدعوة بما تحمله من مضامين وأهداف عليا وبما تتفرع منها من وسائل لا تقتصر على خطيب يعتلي منبرًا أو إمام محراب يؤم الناس في مصلاهم أو على شيخ علم يلقي فتاواه ودروسه للناس، لكنها الدعوة بحر يزخر بالمعاني والمُثُل، وفيها من الخير ما لا يوجد في غيرها. يرتقي أفراد الدعوة"الدعاة"إلى حيث تقبل بهم مسؤولياتهم ـ صغيرة كانت أو كبيرة ـ ولكل فرد من أفرادها مسؤولية تختلف باختلاف المقدرة الحجمية، فالمدير في إدارته داعية، والتاجر في متجره داعية، والكاتب في كتاباته داعية، والموظف في مكتبه ووظيفته داعية، والمرأة الصالحة في بيتها داعية، والمعلم أو المعلمة في أماكن إلقاء علمهما دعاة، والبحار على السفينة داعية، والسائق حيث يسوق سيارته داعية أيضًا، وكل في محطته التي يقف عندها ويدور حول رحاها داعية.
قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران:104] .
قال الشاعر:
وكيف ينبت في البستان غرس.. ... ..إذا ما عُطلت عنه السواقي
فما أجمل أن يصبح كل منَّا داخل نطاق الخدمة الدعوية، وما أسعده من مجتمع عندما يشعر أنه مسؤول مسؤولية كاملة أمام الله ثم أمام نفسه عن هذه القضية والتي لا تدع مجالا لخلق الأعذار والتسربل مع الرياح الشاردة.
فليكن كل منَّا حاملًا بطاقة اشتراك مستمرة وعضوًا فاعلًا في ميدان العمل الخالص لله والدعوة إلى الخير ليصبح بعدها ذلك المجتمع خلية طيبة تعطي أكثر من الخير الذي تأخذه، تحمل سلوكًا ومبدأ راقيًّا، تأمن به مكر الزمان. وترسم من خلاله آيات الأمان، لتحظى بعده برعاية واهتمام الأجيال القادمة.
أمنية نتمناها، ويتمناها كل غيور، بحيث لا نسمع يومًا من الأيام أن مجتمعنا الإسلامي يحوي أفرادًا معطلين رغم القدرة، ومحبطين رغم الإرادة، ومعوقين رغم الموهبة، ليصبحوا بعد ذلك منكسرين يلجون باب الذل والتخاذل من أوسع أبوابه، فيتظاهرون بأنهم دعاة.. ولكنهم في الحقيقة"خارج نطاق الخدمة".
ــــــــــــ
مجلة مساء: عدد (18)
يانفس توبي ...
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا ... واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنا ... لقطًا وتلحق أخرانا بأولانا
في كل يوم لنا ميت نشيعه ... نرى بمصرعه آثار موتانا
يا نفس ما لي وللأموال أتركها ... خلفي وأخرج من دنياي عريانا
أبعد خمسين قد قضّيْتها لعبًا ... قد آن أن تقصري قد آن قد آنا
ما بالنا نتعامى عن مصائرنا ... ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا
نزداد حرصًا وهذا الدهر يزجرنا ... كأن زاجرنا بالحرص أغرانا
أين الملوك وأبناء الملوك ومن ... كانت تخر له الأذقان إذعانا
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا..مستبدلين من الأوطان أوطانا
خلوا مدائن كان العز مفرشها ... واستفرشوا حفرًا غبرًا وقيعانا
يا راكضًا في ميادين الهوى مرحًا ... ورافلًا في ثياب الغيِّ نشوانا
مضى الزمان وولى العمر في لعب ... يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا
ماذا بعد رمضان
منذ لحظات قليلة كنا نعيش رمضان .. كان رمضان بين أيدينا، وملء أسماعنا وأبصارنا، وحديث منابرنا، وزينة منائرنا، وبضاعة أسواقنا، ومادة موائدنا، وسمر أنديتنا، وحياة مساجدنا، فأين هو الآن؟!
لقد مضى رمضان.. مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة، مضى وخلّف الناس بعده بين شقي وسعيد، وفائز وخاسر.
لقد فاز في رمضان من فاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران. وخسر من خسر بسبب الغفلة والبطلان، والذنوب والعصيان، فليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود فنعزيه..
ونحن ما زلنا ـ أيها القارئ العزيز ـ نعيش في آثار نفحات رمضان يجب علينا أن نقف لنتساءل ماذا بعد؟ ماذا بعد أن انقضى رمضان؟ ماذا بعد شهر الرحمة والمغفرة؟ وماذا بعد شهر التوبة والرضوان؟ ماذا بعد أن اكتحلت عيوننا بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزت جباهنا بالخضوع والذلة لرب الأرض والسماء؟ بعد أن عاينا القرب والإقبال وشاهدناه، القرب من الله لعباده، والقرب من العباد إلى الله، ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا.
بعد أن عايشنا كل ذلك وشاهدناه، كان ولا بد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟
ولما كان هذا السؤال له ماله؛ إذ به يتجدد الإيمان وتشحذ الهمم وتستنفر العزائم نزل الوحي بالإجابة عليه، منذ مئات السنين، وأجاب النبي الأمين - صَلى الله عليه وسلم - على السائلين الطالبين العلاج الناجع والدواء النافع، فقال:"قل آمنت بالله ثم استقم".
إذا كان الله قد حباك بشجرة الإيمان، فيلزمك أيها الموحد معها وتحت ظلها أن تستقيم وأن تعتصم بالسير على الطريق، وأن لا تحيد عنه. الاستقامة إنها العلاج، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت:30] .
قال أبو بكر: استقاموا فعلًا كما استقاموا قولًا.
قال عمر بن الخطاب:"لم يروغوا روغان الثعالب".