فهرس الكتاب
تأمل تربية النبي صَلى الله عليه وسلم رَضي الله عنهم، وسوف ترى أن النبي صَلى الله عليه وسلم بمواعظه استطاع أن يُطهرهم من حظوظ النفس وأهوائها، ويُليِّن قلوبهم، ويجعلها تتعلق بالآخرة، ومن أبلغ الأمثلة على ذلك ما رواه أنس بن مالك رَضي الله عنه:"أَنَّ أُنَاسًَا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عليهِ وَسَلَّم حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَىَ رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ. فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللّهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيْوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ؟"
سبحان الله! موقف عجيب استثار بعض الأنصار رَضي الله عنهم، وكاد يذهب ببعضهم مذهبًا بعيدًا؛ لكن انظر إلى موعظة النبي صَلى الله عليه وسلم لهم، وكيف أنه هذّب نفوسهم، وطهرها من علائق الدنيا.. مواعظ يسيرات؛ لكنها تجاوزت الآذان لتستقر في القلوب!
قال أنس رَضي الله عنه: فَحُدِّثُ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءهُمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ:"مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُم؟"فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا، يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ، قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:"فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَفَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلَىَ رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللّهِ؟ فَوَاللهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ". فَقَالُوا: بَلَىَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَضِينَا. قَالَ:"فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أُثْرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّىَ تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَىَ الْحَوْضِ".
إن ذلك كله يؤكد أن الوعظ ليس خاصًّا بالعامة فحسب، بل إن العلماء والمفكرين وطلبة العلم أحوج ما يكونون للموعظة؛ فهي تهذيب للنفس، وترويض لكبريائها وشططها، تدفع المرء للتجرد في البحث عن الحق، والصدق في التماس الدليل الصحيح، وفي الترجيح بين الأقوال، فلا يتيه به الهوى في دركات التعصب والاعتداد بالنفس وبطر الحق، خاصة في زمن الفتن وانتشار الأهواء والشبهات، ولهذا كان العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى، وقنوتًا إليه. قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28] . وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:9] .
كما أن في الموعظة استثارة للغيرة في قلب الداعية، تدفعه إلى علو الهمة، وصدق العزيمة، وتطرد عنه غبار الفتور والعجز، وتستنهضه لبذل قصارى الجهد في تبليغ الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفيها تثبيت لأهل العلم والدعوة أمام مكايد الأعداء، وأحاييل المفسدين، وظلم الملأ المستكبرين.
وفيها إحياء القلب المعرض الذي أسَرَه الهوى، وسيطر عليه التقليد والتبعية، فجعله يُدْبِر عن ذكر الله تعالى. قال سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) [سبأ:46] .
إن مواعظ القرآن القرآن والسنة قوارع تهز القلب وتحييه، وتزيل الران عنه، وتجعل العبد المؤمن يتوجه بكليته إلى ربه سبحانه وتعالى تائبًا منيبًا إليه.
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من التوابين المنبيبين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
ــــــــــــ
البيان: عدد (194)
خارج نطاق الخدمة
حاولت يومًا الاتصال هاتفيًّا بأخ لي يقطن إحدى الدول الخليجية، حيث اتصلت به على هاتفه السيّار، وبينما كنت أنتظر بلهفة مشتاقًا لرده الذي سيضع عني قليلًا من حرارة الشوق ونار الحنين، إذا بالرد يأتي مخيبًا لآمالي ومحطمًا لاستعدادي، ومهبطًا لنبضات قلبي، ومشعلًا لشوقي بالتزايد.. قائلًا: إن الرقم الذي تتصلون به حاليًّا خارج نطاق الخدمة، حينها خطرت على وريقاتي وتبنى قلمي فكرة الصولة والجولة في ميدان التعبير من خلال هذه العبارة عن قضية باتت في الحقيقة نائمة ونومها شكل خطرًا على الجميع دون استثناء.. فبدلًا من عبارة"إن الرقم الذي تتصلون به حاليًّا خارج نطاق الخدمة"نقول:"إن كثيرا من الدعاة الذين تطلبونهم حاليًّا خارج نطاق الخدمة".