فهرس الكتاب
-أنا يا أستاذ.. أنا.. أنا..
-تفضل يا خالد.
-ثلاث مرات يا أستاذ.
-ممتاز.. طيب من يقول لي لماذا ذكرت ثلاث مرات؟
-.... ( لا إجابة )
_ أنا أقول لكم..
نبتت على لسانه باقة ملأى بالكلمات العذبة، وفرد طائر الشعر جناحيه في صدره. ودّ أن يعطر جو الفصل بكل الآيات والأحاديث والآثار التي يحفظها عن الأم. وتمنى أن يغني معهم كل الأبيات الشعرية التي تجري في شرايينه نهرًا دافقًا يلهج بفضل الأم.
وفكر في أن يحدثهم عن أمه هو، كم سهرت وكافحت وتعبت حتى ربته بعد موت والده، وكم من القيم النبيلة غرست في نفسه. لكنه رأى أن يتحدث إليهم من خلالهم، عن الأشياء الملموسة، الأشياء التي يعيشونها ويفهمونها، ولذلك قال لهم:
-لأنها أكثر حبًّا وشفقة ورعاية وعطفًا على الابن، ولأنها تعبت فيه، ومعه أكثر من غيرها، فهي إذن أحق من غيرها بحسن رعايته وصحبته.
-انظروا إلى أمهاتكم في البيوت، من التي تعدّ الطعام وتغسل الثياب وتنظف البيت، وتعلمكم، وتسقيكم، وتنظفكم، وتغطيكم في الليل إذا نمتم؟ من التي تخاف عليكم إذا مرضتم، وتفديكم بنفسها، وتعطيكم الدواء في موعده، تبيت الليل ساهرة؟ .. إنها الأم.
أحسَّ أنه تحدث كثيرًا ولم يقل كل ما في نفسه.. توقف فجأة عن الحديث بعد أن ختم كعادته بكلمة: مفهوم.. ورددوا وراءه بصوت واحد: مفهوم.
تحرك باتجاه حقيبته في الزاوية اليسرى من الفصل، أخرج منها ورقة صغيرة ومجموعة من ظروف الرسائل بعدد طلاب الفصل.. واجه طلابه من جديد والظروف في يده، ثم قال لهم بعد طول تفكير:
-كل واحد منكم يخرج ورقة ويكتب عليها اسمه. سأملي عليكم رسالة، وبعد أن أصححها لكم سأعيدها إليكم لتكتبوها من جديد خالية من الأخطاء، ثم سأعطي كل واحدٍ منكم ظرفًا يضع فيه الرسالة ليوصلها..
-إلى من نوصلها يا أستاذ؟
-سأقول لكم فيما بعد..
شدّتهم الفكرة، فبادروا بإخراج أوراقهم، وكتابة أسمائهم، وحين لمس الأستاذ تهيؤهم، بدأ يملي عليهم:
(إلى الإنسانة التي تحبني وترعاني، وتتعب وتسهر من أجلي.. إلى الإنسانة التي تعتني بطعامي، وتغسل ثيابي، وتحرص على نظافتي، وتسهر على راحتي، وتربيني أحسن تربية، وتحبني أكثر من أي إنسان في هذه الدنيا، وتقضي كل وقتها معي، إلى ) .
أكملوا الفراغ وسلموا أوراقكم لأتأكد من سلامة كتابتكم بعدها سأقول لكم إلى من توصلونها..
جمع المعلم أوراق طلابه وبدأ يقرأ:
وجد في الورقة الأولى بعض الأخطاء الإملائية، وضع تحتها خطًا أحمر، وكتب فوقها الكلمة الصحيحة، وحين وصل إلى الفراغ الذي تركه لهم ليملؤوه أذهله الاسم المكتوب"روكميني".
انتقل بسرعة إلى الورقة الثانية فهالته"ماما شاندي"المتربعة في آخر الرسالة.
أخذ يقلب الأوراق باحثًا بعينيه المذهولتين عن الأسماء التي في الفراغ، تدلي فكه الأسفل، وحزت الدهشة حلقه، وغرست الأسماء في عينيه الجاحظتين أصابعها الغريبة: سارتيما، هيرلينا، براندي، سقيارتي، جيجي، سابرتينا..
بدأ قلبه يدق بعنف وهو يبحث عن ورقة ابنه محمد..
صُعق حين رأى اسم خادمته الأندونوسية"سوامي"يملأ الفراغ بكل وضوح .
ــــــــــــــ
بقلم/حسن بن حجاج الحازمي
من مذكرات مهتدية يابانية
{إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} ... إذا أصابت رحمة الله عبدا فلا ممسك لها ، وإذا نزلت هدايته بإنسان فلا راد لها ، وأعظم نعم الله نعمة الإيمان التي يمن بها على من يشاء من خلقه منّة منه وحده، وتفضلا منه سبحانه، ولا يعرف قيمة هذه النعمة إلا من حرم طعمها ثم ذاقها، هنالك يعرف الفرق بين الكفر والإيمان وبين الهداية والغواية، وينطق حاله ولسانه بما نطق به ربنا في كتابه من قبل: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} .. هذا ما ستشعر به حين تقرأ هذه القصة التي نقلتها مجلة [يابان تايمز] عن إحدى اليابانيات اللاتي منَّ الله عليهن بالهداية حيث تقول:
نشأت في جو تكنولوجي متقدم في اليابان حيث عشت في بيئة مستقرة ومسالمة، وقد أنعم علي الله بأسرة محبة ومهتمة بأفرادها، كما كنت متفوقة في دراستي وناجحة في حياتي، وكانت كل السُبُل مهيأة أمامي لكي أحيا حياة سهلة ومريحة.
كانت أسرتي تدين بالبوذية مثل العديد من الأسر اليابانية، لكن قناعاتي بالبوذية كانت ضعيفة منذ طفولتي، ولم تكن أسرتي تعير هذا الأمر أي اهتمام.
كان رأسي يمور بأسئلة عديدة عن الكون والوجود وظللت على هذه الحال حتى بلغت العشرين من عمري حيث أنهيت دراستي الجامعية وبدأت أعمل، وكنت أتمنى أن أجد راحة البال والاستقرار وأن يشغلني العمل عن الأسئلة التي كانت تطاردني، لكنني ظللت أعيش حالة الخواء الروحي.
قيَّض الله لي في عام 1988م أن أعمل مترجمة للغة اليابانبة في شركة سياحية في مصر لمدة عام، وهناك بدأت رحلة البحث ودراسة الإسلام، وتعرفت على العديد من الأسر المسلمة، كما زرت العديد من المساجد والمواقع الإسلامية.
عندما عدت إلى اليابان بعد انتهاء فترة عملي بمصر قررت مواصلة دراستي للإسلام لعلني أجد إجابات شافية للأسئلة التي تدور في رأسي.
كانت المعلومات البسيطة التي أعرفها عن الإسلام من المدرسة والجامعة والتي كنت أسمعها من خلال القنوات الفضائية ليست قليلة فحسب، بل كانت مشوَّهة أيضًا، شأني شأن معظم أفراد الشعب الياباني الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا ما تبثه وكالات الإعلام المتحيزة من أن المسلمين أرهابيون وميالون إلى العنف، وأن العالم الإسلامي عالم متخلف لم يلحق بركب الحضارة الإنسانية.