فهرس الكتاب
بعد عودتي إلى اليابان ذهبت إلى المركز الإسلامي في طوكيو وأخذت منهم نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية، وظللت أتردد على المركز لمدة ثلاث سنوات، قرأت خلالها العديد من الكتب الإسلامية، وبمرور الأيام زادت معرفتي بالإسلام وازدادت قناعاتي بأنه هو الدين الحق، ووجدت إجابات واضحة ومقنعة للأسئلة التي كانت تطاردني.
تأثرت بالمكانة التي أعطاها الإسلام للمرأة، حيث أن الإسلام كرَّم المرأة وحماها وأمر باحترامها واحترام مشاعرها وكرامتها وأعطاها من الحقوق ما لم تنله قبل الإسلام ولا بعده، وقد فوجئت كثيرًا حيث أنني كنت أظن خلاف ذلك.
بدأت بعد ذلك أعيش في حالة انعزال ووحدة للتأمل واتخذ القرار الصائب وكنت أدعو الله أن يهديني وأن يأخذ بيدي، وبدأت أتفكر في مخلوقات الله، وجدت قدرة الله تتمثَّل في مخلوقاته وكونه البالغ التنظيم.
ساعدتني تلك الفترة على أن أحس بالإيمان يتسرب إلى قلبي وشعرت بسعادة غامرة تملأ روحي.
بعد ذلك قيَّض الله لي مرة أخرى أن أعمل في دولة إسلامية، وكانت هذه المرة في إندونيسيا التي عملت فيها لمدة عام، وشعرت بمدى تغلغل الإيمان في نفوس الإندونيسيين، كما لاحظت أنهم ملتصقون إلى درجة كبيرة بالإسلام، وقد ساعدني من تعرفت إليهم على فهم الإسلام بطريقة أوضح وأكبر وازداد حبي للإسلام وإيماني به.
بعد أن عدت إلى اليابان كنت قد قررت اعتناق الإسلام وواجهتني صعوبات كبيرة في إقناع أسرتي بذلك القرار الذي اتخذته حيث إنهم رفضوا ذلك بشدة، لكنني كنت قد صممت على اعتناق الإسلام مهما كانت الحواجز بيني وبينه، وقد كان حيث اعتنقت الإسلام وبدأت في أداء الصلوات الخمس بانتظام وبدأت في دراسة القرآن وقراءته وحفظ آيات منه تعينني على أداء صلاتي بشكل صحيح.
بعد ذلك سافرت إلى مصر في عام 1991م وأشهرت إسلامي في مسجد جامعة الأزهر وقد رحب بي المصلون جدًا وهنأوني وبكى بعضهم من شدة الفرح والتأثر.
بقيت في مصر لفترة من الزمن وتزوجت من أحد المصريين ورزقني الله منه بطفلة جميلة أسميتها مريم، وأنا أعيش حاليًا في سعادة شديدة وأداوم بانتظام على قراءة القرآن ويساعدني زوجي على ذلك وأتوجه لله بالحمد والشكر على ما أنعم به علي من الإيمان.
هل يباع الطموح فأشتريه..؟!!
رزقني الله جمالًا ورزقني ذكاءً، وفوق ذلك أنني من أسرة غنية وفّرت لي كل ما أريد، فتوهمت أني أنا التي أمتلك كل شيء، كان والدي يحثني على الدارسة لأنال شهادة عالية ليفتخر بها، إلا أنه لم يستطع أن يوفر لدي الرغبة في الدراسة.
في المرحلة الثانوية تعرفت على مجموعة من الزميلات يشاركني نفس الرغبة وهي عدم الرغبة في الدراسة والتعب خلف المذاكرة، صار الإهمال سجيتنا، وتبادل أخبار الموضة والفساتين والحصول عليها هو ايتنا، نجحت من الصف الثالث بشق الأنفس، انقطعت عن الدارسة زمنًا، ألحَّ علي والدي بأن أكمل دراستي الجامعية، قبلت في الكلية بصعوبة؛ لأن معدلي كان ضعيفًا ولم أستغرب ذلك، فهو أمر طبيعي لفتاة مثلي.
هذا هو اليوم الأول لي في الكلية، وفي المحاضرة الثالثة كانت المفاجأة المذهلة التي قلبت كياني وشلَّت تفكيري وبعثرت أوراقي، فلم أصدق عيني، نظرت إليها تفحصتها معقول هي؟ لا .. لا.. ليست هي، قطع حبل تفكيري صوتها الهادئ الذي لازلت أذكره وهي تقدم لنا نفسها قائلة: أختكم رقية.. ماجستير في الشريعة، فغبت عن الوعي وعدت بالذاكرة إلى الوراء يوم كنا في الثانوية كانت هي الوحيدة الجادة والمثابرة في الفصل، وكنا بكل غرور وسخف نلمزها بفقرها، فقد كانت لا تغير المريول والشنطة خلال العام، وكانت لا تكترث بنا، وأذكر أيضًا أني تعلمت منها درسًا قاسيًّا لن أنساه، فقد حفر في ذاكرتي، ففي يوم من الأيام وبغروري وبما أملك أردت أن أحرجها، فقلت لها وبدون مقدمات وبسؤال مباغت:
= هل أنت سعيدة؟
== ردت بهدوء: وما هو مقياس السعادة في نظرك؟
= قلت بثقة: كل يفهم السعادة حسب هواه ومزاجه.
== ردت قائلة: وضحي أكثر.
= فأجبت بلغة واثقة: إذا تحققت رغبات النفس وجدت السعادة.
== باغتتني قائلة: وما هي رغبات النفس؟
= أجبت وأنا أخفي ارتباكي: الأكل والشرب واللبس والمال والتمتع بالحياة، هذه هي مظان السعادة.
== اعتدلت في جلستها قائلة: كم هم الذين يأكلون ويشربون ويتمتعون ولديهم المال الوفير وهم غير سعداء؟
= قلت بارتباك أكثر: لا أعرف عددهم فهم كثير جدًّا.
== ابتسمت قائلة: إذًا السعادة في غير هذا الاتجاه.
= فقلت - وأنا آخذ نفسًا عميقًا-: صحيح، صحيح هي في غير هذا الاتجاه.
ونتيجة لهذا الحرج الذي وقعت فيه أردت أن أنقذ نفسي، غيرت دفة الحديث.
= فقلت لها: تحضرين للمدرسة مع الباص كل يوم؟
== فرمقتني بطرفها، كأنما فهمت ماذا أريد وردت بثقة، وأنت تحضرين مع السائق الأجنبي الخاص بكم؟
= فأعادت الحديث إلى الباص هروبًا من الجواب قائلة: ألا تتضايقين من كثرة الزحام؟
== فابتسمت قائلة: وأنت ألا تتضايقين من نظرات السائق؟ ثم أكملت وأنا في الباص أجد متعة عندما أحس بمعاناة الآخرين.
= هدوئها يستفزني، فنقلت الحديث إلى شاطئ آخر قائلة: ألا زلتم تسكنون في الريف؟
== قالت: في الريف نبتعد عن الفضول والصخب ونتمتع بالهواء النقي.
= فأكملت السؤال بسرعة: أظن منزلكم لا زال من الطين؟
== فابتسمت قائلة: منزلنا فيه استقلاليتنا ولا يشاركنا فيه أحد، ويسترنا عن عيون الأغراب، مع العلم أن البيوت قد تغيرت الآن.
= فأظهرت لها أني مداعبة لها، فرفعتُ حقيبتها وقلت: ما أجمل حقيبتك؟ لذلك لم تغيريها منذ مدة؟!