فهرس الكتاب
== فأخذتها وضمتها إلى صدرها وهي تقول: رفيقة دربي الدراسي ويكفيني أنها لم تمل مني وتحمل كتبي دون تعب أو تضجر مثل بعضهم.
= بدأ الضيق يتسرب إلى نفسي من هدوئها، فقلت لها بعد نظرة إلى قسمات وجهها: ألا تتضايقين من اسمك يا رقية؟
== أجابت بثقة حيرتني: لا أحد يختار اسمه ولم يضر رقية بنت محمد صلى الله عليه وسلم وزوجة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
= فأيقنت أني لن أستطيع أن أهز تماسكها وثقتها بنفسها، فصرفت الحديث إلى طريق آخر؛ فقلت: هل يوجد في بيتكم وسائل ترفيه؟
== ردت بابتسامة أخرى: أحيانًا أتمنى بقية وقتٍ لهذه الأشياء، والنفس كالطفل تشب على ما تعودت عليه.
= فقلت بسرعة: والموضة هل لها نصيب أيضًا؟
== فردت بثقة: أتعامل مع كل جديد وساتر.
= حاصرتها مباغتة: متى تستعملين المكياج يا رقية؟
== وضعت ذقنها على راحة يدها قائلة: انظري في وجهي، هل ترين فيه عيوب؟
= قلت لها: لا - وأنا أسحب من حقيبتي مجلة متظاهرة بعدم الإحراج من إجابتها - هل تقرئين المجلات؟
== فقالت: وأنت لماذا تقرئين هذه المجلات؟
= فتظاهرت أني أبحث عن موضوع في المجلة قائلة: أقرؤها للثقافة والمعرفة.
== فهمت بالقيام وكأنها تريد أن تلقي علي مفاجأة قائلة: لم أر الثقافة غيرت فيك شيئًا؟
== فخجلت وتصبب العرق مني، فلم أجد ما أجيبها فيه، وأردفت قائلة بعدما اعتدلت قائمة: هل تقرئين شيئًا من القرآن في وقت الفراغ؟
= سؤال مباغت لم أحسب حسابه مزق أوراقي، إلا أن صوت الجرس أنقذني من الإجابة؛ فحملت حقيبتي الغالية الثمن وانطلقت مسرعة، وصدى صوتها وسؤالها يتردد في أدني هل تقرئين شيئًا من القرآن؟!
فعدت إلى وعيي، فأغمضت عيني بعدما انسابت منها دمعة، وإذا بيدها الدافئة على كتفي وهي تقول لي: أنت فلانة؟
= فترددت في الإجابة وقلت بيني وبين نفسي: لله ردك من طموحة وصابرة ولم ينفعني أنا كل ما كنت أملك.
صوت آذان الظهر يخترق السكون، فهربت منها وأنا أخفي خجلي وأسأل نفسي: هل الطموح ملك لأحد؟ هل يباع الطموح فأشتريه..؟
ـــــــــــــــــ
بقلم: عبد الله العيادة
توبة أشهر عارضة أزياء فرنسية
"فابيان"عارضة الأزياء الفرنسية ، فتاة في الثامنة والعشرين من عمرها ، جاءتها لحظة الهداية وهي غارقة في عالم الشهرة والإغراء والضوضاء.. انسحبت في صمت.. تركت هذا العالم بما فيه، وذهبت إلى أفغانستان لتعمل في تمريض جرحى المجاهدين الأفغان وسط ظروف قاسية وحياة صعبة!
تقول فابيان:
"لولا فضل الله عليَّ ورحمته بي لضاعت حياتي في عالم ينحدر فيه الإنسان ليصبح مجرد حيوان كل همه إشباع رغباته وغرائزه بلا قيم ولا مبادئ".
ثم تروي قصتها فتقول:
"منذ طفولتي كنت أحلم دائمًا بأن أكون ممرضة متطوعة، أعمل على تخفيف الآلام للأطفال المرضى، ومع الأيام كبرت، ولَفَتُّ الأنظار بجمالي ورشاقتي، وحرَّضني الجميع - بما فيهم أهلي - على التخلي عن حلم طفولتي، واستغلال جمالي في عمل يدرُّ عليَّ الربح المادي الكثير، والشهرة والأضواء، وكل ما يمكن أن تحلم به أية مراهقة، وتفعل المستحيل من أجل الوصول إليه ."
وكان الطريق أمامي سهلًا - أو هكذا بدا لي -، فسرعان ما عرفت طعم الشهرة، وغمرتني الهدايا الثمينة التي لم أكن أحلم باقتنائها.. ولكن كان الثمن غاليًا.. فكان يجب عليَّ أولًا أن أتجرد من إنسانيتي، وكان شرط النجاح والتألّق أن أفقد حساسيتي، وشعوري، وأتخلى عن حيائي الذي تربيت عليه، وأفقد ذكائي، ولا أحاول فهم أي شيء غير حركات جسدي، وإيقاعات الموسيقى، كما كان عليَّ أن أُحرم من جميع المأكولات اللذيذة، وأعيش على الفيتامينات الكيميائية والمقويات والمنشطات، وقبل كل ذلك أن أفقد مشاعري تجاه البشر.. لا أكره.. لا أحب.. لا أرفض أي شيء .
الصنم المتحرك
إن بيوت الأزياء جعلت مني صنما متحركا مهمته العبث بالقلوب والعقول.. فقد تعلمت كيف أكون باردة قاسية مغرورة فارغة من الداخل، لا أكون سوى إطار يرتدي الملابس، فكنت جمادًا يتحرك ويبتسم ولكنه لا يشعر، ولم أكن وحدي المطالبة بذلك، بل كلما تألقت العارضة في تجردها من بشريتها وآدميتها زاد قدرها في هذا العالم البارد.. أما إذا خالفت أيًا من تعاليم الأزياء فتُعرَّض نفسها لألوان العقوبات التي يدخل فيها الأذى النفسي، والجسماني أيضًا!!
وعشت أتجول في العالم عارضة لأحدث خطوط الموضة بكل ما فيها من تبرج وغرور ومجاراة لرغبات الشيطان في إبراز مفاتن المرأة دون خجل أو حياء"."
وتواصل"فابيان"حديثها فتقول:
"لم أكن أشعر بجمال الأزياء فوق جسدي المفرغ - إلا من الهواء والقسوة - بينما كنت أشعر بمهانة الناظرين واحتقارهم لي شخصيًا واحترامهم لما أرتديه ."
كما كنت أسير وأتحرك.. وفي كل إيقاعاتي كانت تصاحبني كلمة (لو) .. وقد علمت بعد إسلامي أن لو تفتح عمل الشيطان.. وقد كان ذلك صحيحًا، فكنا نحيا في عالم الرذيلة بكل أبعادها، والويل لمن تعرض عليها وتحاول الاكتفاء بعملها فقط"."
وعن تحولها المفاجئ من حياة لاهية عابثة إلى أخرى تقول:
تحول مفاجئ
"كان ذلك أثناء رحلة لنا في بيروت المحطمة ، حيث رأيت كيف يبني الناس هناك الفنادق والمنازل تحت قسوة المدافع، وشاهدت بعيني مستشفى للأطفال في بيروت، ولم أكن وحدي، بل كان معي زميلاتي من أصنام البشر، وقد اكتفين بالنظر بلا مبالاة كعادتهن ."
ولم أتكمن من مجاراتهن في ذلك.. فقد انقشعت عن عيني في تلك اللحظة غُلالة الشهرة والمجد والحياة الزائفة التي كنت أعيشها، واندفعت نحو أشلاء الأطفال في محاولة لإنقاذ من بقي منهم على قيد الحياة.