فهرس الكتاب
على كرسيٍّ جلست وحيدة .. وكان بجوار ابني طفل يحادثه ..
ما أسرع المعرفة .. إنه صفاء القلوب ..
ناديت ابني باسمه ..
وأتت بدلًا عنه أم الطفل الذي بجواره ..
سلَّمت وهشت ورحبت ..
سائحةٌ مثلي ..
قلت بفرح .. لا بل مغادرة ..
كالطفلة أحتاج إلى من يحادثني ..
امتدحت المكان وفرحة الصغار ..
دعتني لشرب الشاي معهم ..
وسط أرضٍ خضراء .. يتوسطها الشاي والقهوة ..
عَرَّفتني .. هذه والدتي .. وهذه أختي .. وهذه زوجة أخي ..
ما شاء الله .. عائلة كاملة ..
أنست بالحديث معهنَّ ..
قادمٌ من بعيد .. ينظرون إليه .. ويمازحون ..
أقبل .. تسبقه عصا في يده .. هذا والدنا ..
سلَّم .. ولم يجلس .. ولكنه رقع صوته ..
لا نسمع أذانًا ولا إقامة ..
دعا لبلاد المسلمين دار خير وصلاة ..
نادوا فلانًا .. وذهبت إحداهنَّ تبحث عن الطفلين ..
أسرع ابني وجلس بجانبي .. أما الطفل الآخر .. فلعله اعتاد الأمر ..
وضع سجادة .. ووقف بجواره .. وكبَّر للصلاة ..
مشدودةٌ عينا ابني .. وهو يرى ذلك ..
وما إن ركع .. ورفع من السجود ..
حتى وقف .. وقال بصوتٍ عالٍ .. فَرِحًا ..
يصلي .. مثل بابا عبد العزيز ..
سألتني والدتهم .. ما شاء الله ..
أبوه اسمه عبد العزيز .. ؟
أشحتُ بوجهي عنها .. وأنا أُخفي عينيّ ..
أسندت رأس ابني إلى صدري ..
ما أكبر الجريمة في حقك ..
أشرت برأسي أن .. نعم .. عندما أعادت السؤال ..
ماذا أصابني .. ؟
إعصارٌ هزَّ أعماق قلبي ..
لم ير والده يصلي قط ..
عبد العزيز .. جده ..
أحسست أنها عرفت ذلك ..
تمالكت نفسي ..
نهضت واقفة .. أحمل هم السنين الماضية ..
ودَّعتُ وداعًا كئيبًا وأنا أقول ..
لم ير أباه يصلي أبدًا ..
وكأنها تردد معي ..
بل رأى جده ..
بل رأى جده ..
مع دخولي غرفة الفندق ..
توضأت .. وصليت ..
في مساءٍ متأخر ..
في بيت والدي ..
لم يعد للفرحة بالوطن معنى ..
منذ أن وصلت لم يفارقني صوت ابني ..
سأقول لكِ الحقيقة .. أنتِ أختي ..
تمهَّلي عليَّ ..
الأمر ليس كما تتوقعين .. أكبر مما تتوقعين ..
بكيت .. ورويت لها ما حصل ..
لم تدعني دمعتي أكمل ..
قالت بتنهدٍ:
إنا لله وإنا إليه راجعون ..
فرَّبَت ابني .. مَسحَت على رأسه ..
وقالت:
"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر"..
هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ..
هل تقبلين أن تكوني كافرة .. ؟
هل تقبلين أن تتزوجي كافر .. ؟
هل تقبلين .. !!
توبة الشيخ سعيد بن مسفر القحطاني
بفطرتي كنت أؤمن بالله ، وحينما كنت في سن الصغر أمارس العبادات كان ينتابني شيء من الضعف والتسويف على أمل أن أكبر وأن أبلغ مبلغ الرجال فكنت أتساهل في فترات معينة بالصلاة فإذا حضرت جنازة أو مقبرة، أو سمعت موعظة في مسجد ازدادت عندي نسبة الإيمان فأحافظ على الصلاة فترة معينة مع السنن ثم بعد أسبوع أو أسبوعين أترك السنن .. وبعد أسبوعين أترك الفريضة حتى تأتي مناسبة أخرى تدفعني إلى أن أصلي.
وبعد أن بلغت مبلغ الرجال وسن الحلم لم أستفد من ذلك المبلغ شيئا ، وإنما بقيت على وضعي في التمرد وعدم المحافظة على الصلاة بدقة ؛ لأن من شب على شيء شاب عليه. وتزوجت .. فكنت أصلي أحيانا وأترك أحيانا ، على الرغم من إيماني الفطري بالله..
حتى شاء الله- تبارك وتعالى - في مناسبة من المناسبات كنت فيها مع أخ لي في الله ـ وهو الشيخ سليمان بن محمد بن فايع - بارك الله فيه - وهذا كان في سنة 1387هـ، نزلت من مكتبي - وأنا مفتش في التربية الرياضية - وكنت ألبس الزي الرياضي والتقيت به على باب إدارة التعليم وهو نازل من قسم الشئون المالية فحييته ؛ لأنه كان زميل الدراسة ، وبعد التحية أردت أن أودعه فقال لي إلى أين؟ وكان هذا في رمضان - فقلت له: إلى البيت لأنام.
وكنت في العادة أخرج من العمل ثم أنام إلى المغرب ولا أصلي العصر إلا إذا استيقظت قبل المغرب وأنا صائم.. فقال لي: لم يبق على صلاة العصر إلا قليلا .. فما رأيك لو نتمشى قليلا؟ فوافقته على ذلك ، ومشينا على أقدامنا وصعدنا إلى السد (سد وادي أبها) - ولم يكن آنذاك سدا - وكان هناك غدير وأشجار ورياحين طيبة فجلسنا هناك حتى دخل وقت صلاة العصر وتوضأنا وصلينا ثم رجعنا .. وفي الطريق ونحن عائدون.. ويده بيدي قرأ علي حديثًا كأنما أسمعه لأول مرة ، وأنا قد سمعته من قبل لأنه حديث مشهور.. لكن حينما كان يقرأه كان قلبي ينفتح له حتى كأني أسمعه لأول مرة.. هذا الحديث هو حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه قال البراء رضي الله عنه: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمّا يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض ، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر - قالها مرتين أو ثلاثا - ثم قال:"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه…"الحديث. فذكر الحديث بطوله من أوله إلى آخره .
وانتهى من الحديث حينما دخلنا أبها ، وهناك سنفترق حيث سيذهب كل واحد منا إلى بيته ، فقلت له: يا أخي من أين أتيت بهذا الحديث؟ قال: هذا الحديث في كتاب رياض الصالحين فقلت له: وأنت أي كتاب تقرأ؟ قال: اقرأ كتاب الكبائر للذهبي.. فودعته.. وذهبت مباشرة إلى المكتبة - ولم يكن في أبها آنذاك إلا مكتبة واحدة وهي مكتبة التوفيق - فاشتريت كتاب الكبائر وكتاب رياض الصالحين ، وهذان الكتابان أول كتابين أقتنيهما.