الصفحة 545 من 3812

وعلى أحلامنا في ساحةِ الأقصى قَعَدْ

لا تقولوا:

نفث الساحرُ سحرًا في العُقَدْ

هبَّت الرِّيح بما لا يشتهي البحَّارُ...

واشتدَّ مع الموج الزَّبَدْ

زمجرَ الباغي ولم يأتِ المَدَدْ

لا تقولوا:

نزلتْ أمَّتُنا أقسى نزولٍ..

وعدوُّ اللهِ في الأرض صَعَدْ

لا تقولوا:

أسرف المجرم في القتلِ وفي الظلم تمادَى

وإلى قَصْعَتِنا جيش الأباطيل تنادى

أَبْدَأَ الغاصبُ فينا وأعادا

لا تقولوا:

صرخ الطفل ونادى... ثم نادى.. ثم نادى

ثم فاضتْ روحُه في عَتْمَةِ اللَّيل وفي القلب كَمَدْ

أقسم الصوتُ الذي أَطْلَقَه...

أنَّ الصَّدَى كان ينادي: لا أَحَدْ

لا تقولوا:

عَقِمَتْ أمَّتُنا، واستنسرَتْ فيها بُغاثُ الطيرِ...

والعَزْمُ خَمَدْ

لا تقولوا:

إنَّ شارونَ، ومَنْ شارونُ؟، باغٍ يتبختَرْ

ظالمٌ في جيشِ إِبليسَ مسخَّرْ

مدمنٌ يشرب خمرًا من دمِ الطِّفْلِ المقطَّرْ

مغرمٌ بالعنف يشتاق إلى رؤيةِ مقتولٍ معفَّرْ

أنا لا أَشتُمُه...

فالشَّتْمُ من عرضِ الذي لا يعرفُ الرحمةَ، أَكبَرْ

وهو من أَحْقَرِ شَتْمٍ صاغه الإنسانُ أحقَرْ

لا تقولوا:

إنَّ شارون على الغرب اعتمدْ

ومضى يحرق أَحلامَ العصافيرِ..

ويستنزفُ خَيْراتِ البَلَدْ

لا تقولوا:

زرع الزارعُ والباغي حَصَدْ

ذهب الأقصى وضاعت قدسُنا منّا وحيفانا ويافا وصَفَدْ

لا تقولوا: حارس الثَّغْر رَقَدْ

أنا لا أُنكر أنَّ البَغْيَ في الدُّنيا ظَهَرْ

والضَّميرَ الحيَّ في دوَّامة العصر انْصَهَرْ

أنا لا أُنكر أنَّ الوهمَ في عالمنا المسكون بالوهم انتشرْ

غيرَ أنَّي لم أزلْ أحلف بالله الأحَدْ

أنَّ نَصْرَ اللَّهِ آتٍ ، وعدوَّ اللهِ لن يلقى من الله سَنَدْ

لن ينال المعتدي ما يبتغي في القدسِ....

ما دام لنا فيها وَلَدْ

رسالة إلى صاحب دش

اسمع كلامي ياحبيبي واضحا من غير غشْ

فيما يسميه الأنام بعصرنا: طبقا و"دِشْ"

هو بوق تنصير لقسيس لئيم منتفشْ

هو ضحكةٌ سكْرى ترنُّ، وصوتُ عُهرٍ يرتعشْ

أخي الحبيب .. إليك هذه الكلمات التي خرجت من قلبي فلعلها تصل إلى قلبك ، وامتزجت بروحي فلعلها تمتزج بروحك .. كتبتها بمداد المحبة والصفاء ، والنصح والوفاء ، فلعلها لا تجد عن نفسك الصافية مصرفا.

أخي .. إني لا أعرفك ، وأنت لا شك لا تعرفني ، لكنّ الذي جعلني أكتب إليك هو ذلك الشيء الذي وضعته فوق منزلك .. يناطح السحاب ويعانق السماء ، ويفتح قلبه لكل وافد، ويصافح بيديه كل قادم ..قد مد قامته بكل فخر وسرور، وقد رفع رأسه بكل تكبر وغرور. ثم جلست داخل منزلك كهيئة وقوفه هو خارجه ..!! فاتكأت على ما لطف من الفرش ورقَّ ، واسترخيت على السندس والإستبرق ، وأمرت بالمرطبات ، وأصناف المأكولات، وأغلقت النوافذ والأبواب،.. ثم .. تناولت مفتاح الجهاز بيدك ، فقلبته كيفما شئت، ونفسك الأمارة تقول لك .. من مثلك؟ نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ، هاهو العالم بين يديك فتجول فيه أنى أردت.

فأخذت تتنقل ووجهك تعلوه الابتسامة، ونظراتك تطارد المشاهد المكشوفة، ولعابك يسيل على المناظر الفاضحة ، فمن فيلم إلى مسرحية ، ومن رقصة إلى أغنية، ومن ذنب إلى معصية، ومن صغيرة إلى كبيرة .

فتشاهد في هذه الشاشة البيضاء، ما ينكت في قلبك النكتة السوداء، فتتوالى هذه النقط السوداء على قلبك الأبيض، حتى يغلب السواد على البياض، فيموت قلبك، ويبقى جسمك، فتكره كل خير، وتحب كل شر، وتبتعد عن كل معروف، وتقترب من كل منكر، وتبدو على وجهك آثار كآبة وضيق، وهم عميق .

ورغم كل الملهيات، وما تملكه من مسليات، سوف تصبح معيشتك ضنكا، ولياليك سودا، وسوف تعاني من الاكتئاب والحيرة، والتخبط والفراغ .. لأن سيدك ومولاك يقول: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) [ طه: 124] .

أخي .. أعرف أنك الآن تغطي عينيك لكي لا ترى شيئا غير جهازك، وتغلق أذنيك حتى لا تسمع أحدا سوى صوت تلفازك .

أعرف أنك تجري وتجري .. وأنت لا تفكر إلا بفيلم اليوم وسهرة الليلة .

أعرف أنك تجري وتجري .. وأنت لا تفكر إلا في الشرق ومغرياته، والغرب وملهياته .

أعرف أنك تجري وتجري .. وتلهث وتلهث . تجري وراء الشهوات، وتلهث وراء اللذائذ والموبقات .

ولكنك يا أخي .. لا تعرف أن في آخر هذا الطريق حفرة عميقة، ذات هوة سحيقة !!

أخي .. اسمح لي بأن أقف أمام وجهك في منتصف الطريق وأقول لك: قف !!

قف .. وعد إلى ربك .. واتق النار .. اتق السعير.

إن أمامك أهوالا وصعابا، إن أمامك نعيما وعذابا، إن أمامك ثعابين وحيات .. وأمورا عظائم هائلات . والله الذي لا إله إلا هو .. لن تنفعك الأفلام والسهرات، والرقص والأغنيات .

أخي الحبيب قف .. قف مع نفسك لحظة .. وأسألها: إلى متى أجري خلف الشهوات .. وألهث وراء المنكرات .. كم سأعيش في هذه الدنيا ؟ ستين سنة .. ثمانين سنة .. مائة سنة .. ألف سنة .. ثم ماذا ؟ .. ثم موت .. ثم الحساب فإما النعيم ، وإما الجحيم وماء الحميم .

أخي .. تخيل نفسك وقد نزل بك الموت، وعاينت مرارة وحسرة الفوت ، ودخلت القبر ورأيت ظلمته، ووحدته، وضيقه ووحشته .

تذكر الملكين وهما يقعدانك ويسألانك .. تذكر كيف يكون جسمك بعد الموت .. تقطعت أوصالك، وتفتتت عظامك، وبلي جسمك، وأصبحتَ قوتا للديدان .

تذكر .. يوم تسمع الصيحة .. إنها صيحة العرض على الله .. فيطير فؤادك، ويشيب رأسك .. فتخرج من قبرك مغبرا حافيا عاريا .قد رجت الأرض رجا، وبست الجبال بسا ، وشخصت الأبصار لتلك الأهوال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت