الصفحة 546 من 3812

وطارت الصحائف .. وقلق الخائف .. وزفرت النار .. وأحاطت الأوزار.. ونصب الصراط .. وآلمت السياط .. وحضر الحساب .. وقوي العذاب .. وشهد الكتاب .. وتقطعت الأسباب

تذكر .. مذلتك في ذلك اليوم العظيم، وانفرادك بخوفك وأحزانك، وهمومك وغمومك وذنوبك. فتتبرأ حينها من بنيك، وأمك وأبيك، وزوجك وأخيك .

تذكر .. يوم توضع الموازين، وتتطاير الصحف . كم في كتابك من زلل .. وكم في عملك من خلل؟

تذكر .. يوم ينادى باسمك بين الخلائق .. يا فلان بن فلان: هيا إلى العرض على الله، فتقوم أنت، ولا يقوم غيرك، لأنك أنت المطلوب .

تذكر .. حينئذ ضعفك .. وشدة خوفك، وانهيار أعصابك، وخفقان قلبك .. وقفت بين يدي الملك الحق المبين، الذي كنت تهرب منه، ويدعوك فتصد عنه .. وقفت وبيدك صحيفة .. لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتْها، فتقرؤها بلسان كليل.. وقلب كسير، قد عمك الحياء والخوف من الله .

فبأي لسان تجيبه حين يسألك عن .. مالك الذي أضعته .. وعمرك الذي أسرفت فيه .. وعينك التي خنت بها .. وسمعك الذي عصيت به .. بأي قدم تقف غدا بين يديه، وبأي عين تنظر إليه وبأي قلب تجيب عليه .. !!!

ماذا تقول له غدا .. عندما يقول لك: يا عبدي .. لماذا لم تُجلَّني، لماذا لم تستح مني، لماذا لم تراقبني .. يا عبدي .. هل استخففتَ بنظري إليك . يا عبدي .. ألم أحسن إليك .. ألم أنعم عليك !!

أخي الحبيب .. تذكر .. هذه المواقف العصيبة، والأوقات الرهيبة يوم ينسى الإنسان كل عزيز وحبيب، ولا ينجو إل امن كان له قلب سليم .

أخي .. قف مع نفسك هذه الوقفة المصيرية، واعلم أنك ما وجدت في هذه الدنيا إلا للعبادة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [ الذاريا ت: 56] ولم تخلق للهو واللعب والعبث (أفحسبتم نما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) [ المؤمنون:115]

أخي .. إني أخاطب فيك دينك .. الذي يحرم هذه المنكرات . وأخلاقك التي تترفع عن هذه لشهوات . وعقلك الذي يأبى هذه الترهات . وقلبك الذي يخاف من هذه الموبقات وغيرتك على نسائك العفيفات المحصنات . فانتصر على نفسك .. وتغلب على هواك .. وأخرج هذا (الدش) من بيتك، وسيعوضك الله خيرا منه في الدنيا والآخرة .

أخي ياصاحب الدش .. أراك إلى الردى تمشي

وتضرم ضاحكا نارا ..على بيت من القش

وأنت كطائر يأوي .. بثعبان إلى العش

أترضى منزلا يبنى .. على الإجرام والفحش

ألا تخشى بأن ينهار .. فوق أساسه الهش

أخي إن أنت لم تخرجه .. قبل مسيرة النعش

ستلقى الله غشاشا .. وبئس عقوبة الغش

أخي .. والله ما كتبت هذه الأحرف، ولا نطقت بهذه الكلمات، إلا لخوفي على وجهك الأبيض .. أن يصبح مسودا يوم القيامة، وعلى وجهك المنير .. أن يصبح مظلما . على جسدك الطري .. أن يلتهب بنار جهنم، فعسى قلبك الطاهر أن يلتقطها ..ولعل نفسك الصافية تستقبله.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته

ناصح أمين

حبيبتي بلادي

حبيبتي بلادي

نسيتُ في موائد الثناء

سيدًا يعشق الفداء

الموت عنده حياة

أحب دائمًا أن تُرْفَعَ الجباه

أحب أن يراك مسجدًا مقدَّسًا ثَرَاه

شغلت عنه بالبريق

من سيطفئ الحريق غيره

ومن سيمسح الجراح إن جهلت سِرَّه؟

حبيبتي بلادي

قد كنتُ أصنع الكلامَ مِنْ دمي

وكنت أعزف النشيد هامسًا

لعله إلى الفؤاد ينتمي

وكنت أكتبُ الحروفَ واحدًا فواحدًا

لتقرئي .. لتفهمي

وكنتِ يا حبيبتي وكنتِ

والآن يا حبيبتي

لن أكمل الحديث

وإن بدا مُشَوَّقًا

فليس ما أريده إثارة الطَرَب

أو أن تحرِّكي الشفاه من دلائل العجب

ولن أُتِمَّ يا حبيبتي النغم

فقد رأيت ما يُحَرِّم النشيد ألف عام

فصرت كلما بدأت بالغناء

أجهشت في البكاء

حبيبتي

ولم تزل في أفقنا بقيةٌ مِنَ الرَّجاء

حَطِّمي قيوده

لتحتمي بِسِرْبِه

لتصنعي حياتنا به

لتسمعي دعاءه .. بكاءه

يستمطر السماء زَادَه.. ونَصْرَه

ويستغيثُ رَبَّه

فحطمي قيوده...

العلم والخشية

إذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملًا ، وإنما يرى إنعام الموفق لذلك العمل ، ويجب على العاقل ألا يرى لنفسه عملًا أو يعجب به . وذلك بأشياء:

منها أنه وفق لذلك العمل"حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم".

ومنها أنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها .

ومنها أنه إذ لوحظت عظمة المخدوم احتقر كل علم وتعبد .

هذا إذا سلم من شائبة وخلص من غفلة ، فأما والغفلات تحيط به فينبغي أن يغلب الحذر من رده ويخاف العتاب على التقصير فيه فيشتغل عن النظر إليه .

وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قالوا: ما عبدناك حق عبادتك . والخليل عليه السلام يقول:"والذي أطمع أن يغفر لي"وما أدل بتصبره على النار وتسليمه الولد إلى الذبح . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما منكم من ينجيه عمله قالوا ولا أنت قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته . وأبو بكر رضي الله عنه يقول: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله . وعمر رضي الله عنه يقول: لو أن لي طلاع الأرض لافتديت بها من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر . وابن مسعود يقول: ليتني إذا مت لا أبعث . وعائشة رضي الله عنها تقول: ليتني كنت نسيًا منسيًا . وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع .

وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الأفهام لما شرحته لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدلوا بها . فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة وأخرج له كل ليلة رمانة وسأل الله تعالى أن يميته في سجوده . فإذا حشر قيل له ادخل الجنة برحمتي قال: بل بعملي فيرون جميع عمله بنعمة واحدة فلا يفي فيقول: يا رب برحمتك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت