فهرس الكتاب
وكذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة فإن أحدهم توسل بعمل كان ينبغي أن يستحيي من ذكره وهو أنه عزم على الزنا ثم خاف العقوبة فتركه .
فليت شعري بماذا يدل من خاف أن يعاقب على شيء فتركه تخوف العقوبة . إنما لو كان مباحًا فتركه كان فيه ما فيه . ولو فهم لشغله خجل الهمة عن الإدلال كما قال يوسف عليه السلام:"وما أُبَرِّىءُ نفسي".
والآخر ترك صبيانه يتضاغون إلى الفجر ليسقي أبويه اللبن . وفي هذا البر أذى للأطفال ولكن الفهم عزيز . وكأنهم لما أحسنوا - فيما ظنوا - قال لسان الحال: أعطوهم ما طلبوا فإنهم يطلبون أجرة ما عملوا .
ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه ، ولكان كل كامل خائفًا محتقرًا لعمله ، حذرًا من التقصير في شكر ما أنعم عليه .
وفهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر . ويوجب مساكنه الذل . فتأمله فإنه أصل عظيم .
أقسام الناس بعد سماع المواعظ
الناس عند سماع الموعظة أنواع ، وبعد سماعها أقسام ، يختلفون في الصدر بعد الورد ، فبين متأثر منيب ، وبين غافل عن الله بعيد .. وقد تكلم في ذلك الإمام ابن الجوزي رحمه الله مبينا تلك الأقسام فقال:
قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القسوة والغفلة ! فتدبرت السبب في ذلك فعرفته .
ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفة من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها لسببين .
أحدهما: أن المواعظ كالسياط والسياط لا تؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت وقوعها .
والثاني: أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا وأنصت بحضور قلبه فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها وكيف يصح أن يكون كما كان ! .
وهذه حالة تعم الخلق إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر .
ـ فمنهم من يعزم بلا تردد ويمضي من غير التفات فلو توقف بهم ركب الطبع لضجوا كما قال حنظلة عن نفسه: نافق حنظلة ! .
ـ ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحيانًا ويدعوهم ما تقدم من المواعظ إلى العمل أحيانًا فهم كالسنبلة تميلها الرياح ! .
ـ وأقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه كما دحرجته على صفوان .
وفي الفصل الذي يلي هذا الفصل تكلم ابن الجوزي عن الطبع الإنساني وجواذبه فكاد أن يبين سبب انقطاع المنقطعين عن الانتفاع بالوعظ المسموع فوضع يده على العلة في ذلك أو كاد قال رحمه الله:
جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة ثم هي من داخل وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع من خارج . وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى لما يسمع من الوعيد في القرآن . وليس كذلك ؛ لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا كالماء الجاري فإنه يطلب الهبوط وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف . ولهذا أجاب معاون الشرع: بالترغيب والترهيب يقوى جند العقل .
فأما الطبع فجواذبه كثيرة ، وليس العجب أن يُغلَب إنما العجب أن يَغلِب .
رفيق صَلاحِ الدِّين
زمانُك بُسْتَانٌ وَعْصُرُكَ أَخْضَرُ .... وَذِكْرَاكَ عُصْفُورٌ مِنَ الْقَلْبِ يَنْقُرُ
دَخَلْتَ على تاريخنا ذاتَ ليْلةٍ .... فرَائِحَةُ التَّاريخِ مِسْكٌ وَعَنْبَرُ
وكُنتَ فكانت في الحقولِ سنابلٌ .... وكانت عصافيرٌ وكان صَنَوْبَرُ
لَمَسْتَ أمانينا فصارتْ جدَاوِلًا .... وأمْطَرْتَنا حُبّا ولا زلت تُمْطِرُ
تأخَّرْت عَنْ نقْعِ الوَغَى يَاحبيبنا ... وما كُنتَ عن نقعِ الوَغَى تتأَخَّرُ
سَهِدْنا وفكَّرنا وشَاختْ دُمُوعُنا ... وشَابتْ ليَالِينا وما كُنتَ تحْضُرُ
تُعاوِدُني ذِكْرَاك كلَّ عشِيَّةٍ .... ويُورِقُ فِكْري حينَ فِيكَ أُفَكِّرُ
وتأبَى جِرَاحي أن تَضُمَّ شِفاهها .... كأنَّ جِراحَ الحُبِّ لا تَتَخَثَّرُ
تأخَّرْتَ يا أغلى الرِّجالِ فَلَيْلُنا .... طويلٌ وأضْواءُ القنادِيلِ تسْهَرُ
تأخَّرْتَ فالسَّاعاتُ تأكُلُ نفْسَها .... وأيَّامُنا في بَعْضِهَا تَتَعَثَّرُ
أتسألُ عَن أعْمَارِنا أنت عُمْرُنا .... وأنتَ لنا الآمَالُ أنتَ المُحَرِّرُ
وأنت أبُو العُمرانِ أنت وقُودُها .... وأنتَ انبِعَاثُ الدِّينِ أنت التَّغَيُّرُ
تأخَّرت عنَّا فالجيادُ حزينةٌ .... وسَيْفُك من أشْوَاقِهِ كادَ يُنْحَرُ
حِصَانُكَ في سيْنَاءَ يَشْرَبُ دمْعَهُ .... ويا لِعذَابِ الخَيْلِ إذْ تَتَذكَّرُ
وراياتُك الخضْراءُ تَمْضُغُ دَرْبَهَا .... وعِندَكَ آمَالُ الثُّغورِ تُقَصَّرُ
نِسَاءُ فلسطينٍ تَكَحَّلْنَ بالأسَى .... وفي بيتِ لحْمٍ قاصِراتٌ وقُصَّرُ
وليْمُونُ يَافا يَابِسٌ في حُقُولِهِ .. وهلْ شَجَرٌ في قبْضَةِ الظُّلْمِ يُزْهِرُ؟
رفيقَ صلاح الدين هلْ لك عوْدةٌ .... فإن جيوشَ الرُّومِ تنْهى وتأْمُرُ
رفاقُكَ في الأغْوَارِ شَدُّوا سُرُوجَهُم.. وجُندُك في حِطِّينَ صَلُّوا وكَبَّرُوا
تُغَنِّي بك الدنيا كأنَّك طارقٌ .... على بركاتِ الله يَرْسُو ويُبْحِرُ
تُناديك من شوْقٍ مآذنُ مكَّةٍ .... وتبْكيكَ بَدْرٌ"يا حَبيبي"وخيْبَرُ
وَيَبْكِيكَ صَفْصَافُ الشَّآمِ وَوَرْدُها .... ويَبْكِيكَ زهْرُ الغُوطَتَينْ وتدْمُرُ
تعالى إليْنا فالمُروءاتُ أطْرَقَتْ .... ومَوْطِنُ آبائي زُجَاجٌ مُكسرُ
هُزِمْنا وما زِلْنا شَتَاتَ قبائِلٍ .... تَعِيشُ على الحِقْدِ الدَّفين وتَزْأَرُ
يُحَاصِرُنا كالموتِ بِلْيُونُ كَافِرٍ..ففي الشَّرْقِ هُولاكُو وفي الغرب قيصرُ
أيا فارسًا أشْكُو إليهِ موَاجِعي .... ومِثْلي لَهُ عُذرٌ وَمِثلُكَ يَعْذُرُ
أنا شَجَرُ الأَحْزَانِ أنْزِفُ دائِمًا .... وفي الثَّلْجِ والأنْوَارِ أُعْطِي وأُثْمِرُ