الصفحة 557 من 3812

أيهما أكثر رجولة وأقوى شخصية الشاب الذي يسير وراء غرائزه وشهواته، ويستجيب لنفسه في كل ما تدعوه إليه وتدفعه له؟ أم الآخر الذي يملك الغرائز والشهوات، وتدعوه نفسه وتدفعه إليها، لكنه يكبح جماحها ويضبطها، ويقول لها: ليس من حقك أن تتمتعي بكل ما تريدين، فثمة عاقبة وخيمة للسير في هذا الطريق، وثمة عاقبة حميدة لمن يمنع نفسه عن الحرام؟ وهو وإن ترك الشهوة العاجلة فهو يعلم أن نهايتها في الدنيا مؤلمة، إما مرض عضال، أو فضيحة تنغص حياته، أو مصيبة أو كارثة، وحين ينجو من عذاب الدنيا لن ينجو من عذاب الآخرة إلا أن يمن الله عليه بعفوه.

أما الامتناع عنها فعاقبته السعادة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة .

إن أشجع قرار، وأولى قرار يتخذه الإنسان هو أن يغير مجرى حياته، ويسلك في قطار الصالحين الأخيار. فأتمنى أن نكون شجعانا وجريئين؛ فنتخذ هذا القرار.

رجل الفطرة

يرجع الداعية - في بحثه الدؤوب عن أصحاب الفطر السليمة الذين لا يحملون بين جوانحهم عوامل الضعف والهزيمة النفسية - إلى سيرة مُعلِّم الخير محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ليستلهم منها معالم تنير له الطريق.

ومن الدروس المستفادة من السيرة النبوية أن الله سبحانه وتعالى بعث أكرم خلقه من بيئة لا هي بالحضرية المدنية المغرقة في الترف وفنون النعيم والملذات ، ولا هي بالبدوية الجافية البعيدة عن التمدن والعمل المشترك ، فالأسر القرشية لم تصل بعد إلى تعقيدات المدنية، ولم تأسرها الشكليات والمظاهر، ولا يزال شباب قريش يألفون الخشونة والفروسية، رغم عيشهم في بيئة تجارية مبتعدين عن خلق المذلة والمراوغة التي يألفها من استحكمت فيه عوائد الترف ، أو عاش تحت قهر الاستبداد والبحث عن لقمة العيش في بيئة مادية لا رحمة فيها ولا شفقة.

ولا نعني من هذا أنه لا بد من العيش في قرى أو مدن صغيرة - كمكة عند البعثة - ، فهذه سطحية في التفكير وسذاجة ، ولكن المقصود هو: العيش في أجواء الفطرة السليمة ، أجواء التخفف من القيود التي تكبل المسلم عن الانطلاق في دعوته ، هذه القيود التي لم يأت بها شرع ولا حكم بها عقل ، ولكن دواعي الانحطاط هي التي تهتف بها.

فالدعوة لا يتم أمرها ولا يقوى عودها إلا برجال تعودوا الخشونة ، تتجافى جنوبهم عن الانغماس في النعيم ، كلما سمعوا هيعة طاروا إليها.

والرجل الذي عاش حياته راضيًا بالقليل ، بل خائفًا من ذهاب هذا القليل ، عاش يسمع وصايا والدته تحذره وتخوفه من أي عمل عدا العمل الذي سيعيش منه ، هذا الرجل قد انغرس في نفسه الضعف ، وأصبح بعيدًا جدًا عن المغامرة وركوب المصاعب ، فهو دائمًا يخاف من المجهول ، يخاف من المستقبل ، يفكر دائمًا في الاحتياطات اللازمة لتدبير (العيش) .

هذا الرجل الذي يحمل أتعاب مدينة مرت عليها قرون وهي تعيش تحت قهر كل متغلب، وتألف كل قادم، هو لا شك يشعر بضآلة نفسه وقصور همته، ولا يسمح لتفكيره بأن يخطر له ذكر الأعمال الكبيرة والمشروعات العظيمة، بل إذا حمل فكرة قوية يمسخها إلى (نصف) فكرةٍ يؤوِّلها حتى تتمشى مع ضعفه وانحطاطه، فهو دائمًا في منتصف طريق ونصف نهضة، لا هو بالبادئ، ولا هو بالمنتهي ، فإذا تعلم ودرس أصبح نصف دارس أو نصف طبيب ، وإذا كان موظفًا يحس أنه جزء صغير من آلة ضخمة ، فمثل هذا لا يساعد على التحفز لعمل كبير ، فهو رجل (الحد الأدنى) .

ونحن نريد رجل الفطرة الذي يملك حيوية الاندفاع والتضحية ، فيه بساطة وسموّ، فإذا عقل الإسلام وفقهه فقد جمع (نورًا على نور) ، وهذا هو الرجل المؤهل للتغيير.

يا له من دين .. لو أن له رجالًا

كلما كنت قديما أقرأ أو أسمع أنه في عام 1992م ستكون السوق الأوربية المشتركة مفتوحة الحدود، مشرعة الأبواب لمواطنيها في التنقل والتجارة، ودون أية قيود، وأنهم يستعدون لهذه النقلة، كلما كنت أسمع ذلك ، ثم أسمع أن القوم بعد ذلك يعدون للعملة الأوروبية المشتركة ( اليورو) ، كان يتملكني الأسى والغضب ، ثم بعد أن رأيت القوم قد حققوا لأنفسهم ما كانوا يخططون له ، ازددت أسى وألما وغما وكمدًا ، كيف يجتمع هؤلاء الناس ويتعاونون على ما بينهم من اختلاف في اللغة، وعلى ما بينهم من إحن قديمة، وعلى ما بينهم من تعصب إقليمي عرقي؟!! وكيف لا يجتمع المسلمون ـ والدعاة منهم بشكل أخص ـ وبين أيديهم كل العوامل التي تحتم الاتحاد والتعاون والتناصر.

لا شك أن الذي يدفع بالغربيين إلى اتخاذ هذه الخطوات التعاونية هو نظرتهم للعواقب والتفكر بالنتائج التي تتمخض عن هذا التعاون وأنه يحقق لهم مصالح كثيرة، فهي سياسة دنيوية تقوم على استخدام العقل وتبعد العواطف والغرائز جانبًا، ولا شك أن الذي يمنع المسلمين من التعاون والتفاهم هو ضعف النظر في العواقب وعدم الانتباه لما يحيط بالمسلمين من أخطار، وما يتربص بهم من شرور، وتحكيم العواطف والنظرة الضيقة، والنظر للمصالح الآنيّة والفردية، وليس الذي ينقصهم غيرة دينية أو نقص في الحماسة لنصرة الإسلام، وإنما هو التخلف الحضاري الذي جعلهم لا يفكرون تفكيرًا هادئًا متزنًا مستبصرًا، بل لا يستحثهم هذا الضعف الذي ابتلوا به فأصبحوا طعمة لكل طامع ونهبة لكل ناهب، لا يستحثهم على الاتحاد أو التعاون على الأقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت