فهرس الكتاب
إن بعض الغربيين يستغربون جدًا أن تتكلم الشعوب العربية لغة واحدة، ويفهم كل منهم عن الآخر ، ومع ذلك يكون بينهم هذا التفرق والتناحر، وكأن كل قطر قارة منعزلة، وكثيرًا ما يسألون: هل يستطيع المصري التفاهم مع المغربي أو العراقي مع اليمني، لأنهم لا يتصورون أن كل هذه الأقاليم التي تتكلم بلغة واحدة تكاد لا تتفق على شيء إلا على التفرق والتناحر.
أتقام تكتلات كبيرة لأعداء الإسلام، ونحن نمارس هواية التشرذم والتفرق ونكثر من عدد اللافتات والعناوين.
أيقيم أعداء الإسلام دولًا طويلة عريضة على أفكار وكتب من اختراع بشر بل هي من حثالة أفكار البشر، وكتاب الله بين أيدينا، وتفسيره بين ظهرانينا، وهو حبل الله المتين، وهو العروة الوثقى لا انفصام لها، ويبقى المسلمون على حالهم المزرية هذه؟!
ألا يحق لنا أن نطمع بمطلب متواضع من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية وهو التفكر بما يدور حولهم، وكيف يتكالب أعداء الإسلام تكالبًا شديدًا، ولا ينفكون لحظة واحدة عن التخطيط والتدبير، وتقليب الأمور، حتى يتسنى لهم دوام السيطرة والهيمنة على الأمم المغلوبة على أمرها.
إن رؤية الحقيقة خير من التمادي في المراوغة والقول بأن كل شيء يسير على أحسن ما يكون، والتبصر في العيوب وإبرازها في شجاعة، ومعالجتها وإن كان الدواء مؤلمًا، أفضل من الإمعان في التغافل، والبقاء في دائرة التراشق بالتهم والتهم المضادة.
مجلة البيان
الرجال المنتظرون .. أمل الأمة
إنها أمة تفيء إلى ربها ، وتعود من بعد طول غياب في ظلمات الجاهلية وشرورها، أمة تستروح نسمات الإيمان، وقد آن لها أن تقف مرة أخرى بعد عشرات من السنين على طريق الأصالة والتوحيد .
أمة ينبض قلبها بدم جديد ، فتعود إليها حياتها متجددة ، بعد أن ظن أعداؤها أنهم قد قضوا عليها بالسم الزعاف ، وما دروا أنهم قد قتلوا الحياة واغتالوا الوجود يوم أن أوقفوا ريادتها وأنهكوا حياتها .
وهاهم أعداء الأمة اليوم يصرخون . . فمن ينجيهم من عذاب أليم ؟!! أمة تعود إلى ذاتها التي ضيعتها ، وإلى رسالتها التي هانت عليها ، أمة تعود إلى روحها . . إلى قرآنها. . إلى سنة نبيها .. إلى شريعتها .. إلى دستور حياتها . وطريق العودة طويل طويل . .
طويل أولًا في وقته وزمنه ، فهو طريق التأسيس المنهجي وليس الإصلاح والترقيع العفوي (( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ . . ) ).
وطويل ثانيًا في تضحياته ومشقاته ، فلن يترك الباطل الحق في يسر وسهولة ، ولن يرفع أعداء الله راياتهم البيضاء إلا بعد معارك طوال .
يقول ربنا: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، فهنا أمران من عداد التضحيات والمشقات:
الأول: أنه ينبغي على رجال الأمة أن يحملوا الأمانة كما أبلغهم الله إياها ، ويبلغوها العباد كما أراد الله لا كما تهوى الأنفس وتزينه الشياطين ، وهذه تضحية ومشقه أولى.
الثاني: يفهم من قوله تعالى (( واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ) [المائدة:8] أن البلاء واقع بمجرد إبلاغ الحق إلى الخلق، وهذه تضحية ومشقة ثانية ، يقول ربنا: (( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ومِنَ الَذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا. . ) )وعلى هذا الطريق - طريق العودة - يقف رجال يحملون عقيدة الأئمة وسلف الأمة ، فعليها يأتلفون ويجتمعون ، ومن دونها يفارقون ، يتربون على عظائم الأمور ومكارم الأخلاق ، صفوفهم منتظمة ، حريصون على الوحدة والائتلاف وليس الفرقة والخلاف ، هممهم عالية ، صبر على المحن ، وبعد عن الفتن ، عقولهم متزنة ، جنوبهم لينة ، أخطاؤهم معدودة محدودة ، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون ، دامعة أعينهم ، حزينة قلوبهم ، يبكون يومًا قصيًرا لغد طويل، لا يحزنون على ما فاتهم من الدنيا ، ولا يفرحون بما أتاهم منها ، (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) )أنفاسهم طويلة مثل طول طريقهم . . وآراءهم حكيمة على مثل ما يواجهون . . واعون لواقعهم الذي يحيونه فهم له مستبينون لا يخدعهم معسول قول جاهلية عصرهم عن حقيقة كيدها وعنادها وتنكرها لطريق الله ، واجتيالها للعباد - كل العباد - عن مصدر عزهم وسعادتهم ألا وهو دينهم الحق ، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!!
فهم ممتثلون قوله تعالى: (( وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ) )وهؤلاء هم الرجال المنتظرون .