فهرس الكتاب
هم الصف الأول ، هم النخبة الموجهة ، هم الصفوة المنتقاة ، هم حراس الأمة وقادتها وعقولها ، رجال هم عين الأمة وضميرها ، رجال يذودون عن الأمة ، ويدافعون عنها ، ويدفعون الأعداء ، رجال يوجهون الأمة ، وبهم تسترشد الأمة طريقها ، رجال تلوذ بهم الأمة - بعد الله - في مدلهمات الأمور وجسام المواجهات ، رجال تناط بهم أمانة حمل هذا الدين العظيم ، وإبلاغه للناس والتمكين به في الأرض (( وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) )، رجال تحتاجهم الأمة في كل ظروف تاريخها الطويل ، وحاجتها إليهم اليوم أشد ، إنهم رجال المواقف
غير أن المنهجية الأصولية التي تلتزم بها هذه الأمة ورجالها تقتضي أن نعرض صفحة من علمها المدون يقتضيه السياق:
أولا: قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ... ) )اتفق أهل السنة على أن العلماء من أولى الأمر وطاعتهم معطوفة على طاعة الله ورسوله ، وبداهة فإن هؤلاء العلماء في زماننا هم الذين يطيعون الله ورسوله ، ويتقون الله مع قيامهم بالحق لا يخشون في الله لومة لائم ، ولا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا ، ولذا لا يجوز أهل السنة لعلمائهم أن يغيروا دين الله فيأمرون بما شاؤوا وينهون عما شاؤوا. مما تقدم وجب على الأمة طاعة علمائها .
ثانيًا: إننا نحيا عصر التخصص العلمي الدقيق ، ولهذا كان علينا أن نصبغ الحركة الإسلامية بصبغة التخصصية، فهذا يتخصص بتاريخ الأمة الإسلامية على مر القرون يعلم حركته ، ويدرك تطوراته ومراحله ، ويفهم مده وجزره ، وآخر يتخصص بعلم الرجال الذين تصدوا القيادة والتوجيه والتأثير في هذه الأمة في القرون الأخيرة - مثلًا - فيعلم نشأتهم وتربيتهم ومنطلقاتهم وأفكارهم ومخططاتهم وأهدافهم التي سعوا لتحقيقها ولتنفيذها في هذه الأمة ، وثالث يتخصص بعلم التفسير الشرعي يفهم أصوله ويعلم مدلولات النصوص ومراميها وأسباب نزولها والمحكم منها والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد إلى آخر ذلك .. ورابع يتخصص بعلم الاقتصاد . . وخامس بعلم الدعوة والتأثير والتربية . . . إلى آخر تلك التخصصات وهذه العلوم والفنون التي تحتاجها الأمة متمثلة في رجال أكفاء ، يوجهون ويصنعون حضارتها .
إن ميزات الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أنه قد ربى جيلًا كاملًا قادرًا على أن يتبوأ مكانة في الصدارة لهذه الأمة ، وحينما رحل الرسول الكريم إلى ربه لم تنهزم الأمة ولم تندثر بل علت وانتشرت وغزت الأرض لتكون كلمة الله هي العليا .
وهانحن نقول مشددين عليها:
أعطني رجالًا أصنع لك حضارة..
التخصص.. أو التشتت
بالغ الغربيون في التخصص، وأعجبهم ذلك لما لمسوه من الفوائد في أول الأمر، فتجد العامل أو الموظف أو المدرس لا يعلم إلا في حيز ما أسند إليه ، فإذا خرج عن هذه الدائرة فهو لا يفقه شيئًا ، وهذه ناحية إيجابية في الأصل ، لأنها تنتج المهارة ، وتعطي النتائج السريعة.
ولكن شدة التخصص أدت في النهاية إلى ضيق الأفق وضعف المدارك في بقية شؤون الحياة. والمبالغة تؤدي إلى نقيضها أحيانًا ، فشدة البياض تصبح مهاقًا.
ويقابل هذا التخصص عند الغربيين ما عند المسلمين من ميل نحو الموسوعية الفضفاضة في العلم ، وحشر أنفسهم في شتى المجالات في العمل ، فالفرد هنا مطالب بأن يعلم كل شيء ، أو له خبرة في كل شيء أو هكذا يدعي ولا يزال يعجبهم القول القديم: فلان (بحر علم) أو (دائرة معارف) ، ونسوا أو لم ينتبهوا ، إلى أن هذا العصر لا يحتمل مثل هذا ، وإذا كان في العصور السابقة من هو فعلًا (بحر علم) فإن هذا لا يصح اليوم ، بل لن يتهيأ له وإن أراده ، لتشعب الأمور وتعقدها، مما لا يتيح صفاء للذهن وراحة للجسم.
وإذا كان هذا في العلم ، فكذلك في الدعوة ومن يتصدى لها ، فلن يتهيأ له أن يتقن كل شي. وإذا حاول فإنما يأتي به على وهن وضعف ، أو يأتي به فجًا لم ينضج بعد.
فإذا كان الداعية المسلم هو المواطن أو التاجر ، وهو الكاتب والخطيب والمتحدث ، وهو الذي عليه أن يحل مشاكل الناس ... فهل يستطيع الإحاطة بكل هذا ، وهل ينتج في دعوته.
وإذا كان بعض الرجال يتحملون هذا كله، ويقومون به، فإن غيرهم لا يستطيع، وإذا كان البعض قد أوتي قدرة وتحملًا وصبرًا، فأين تدريب من هو دونه على تحمل المسؤولية وتنمية مواهبه في فن من فنون العمل ؟.
وقد رأينا من أساتذتنا من يقوم بهذا ، ولكن كثرة الأعمال تثقل عليه في النهاية ، وتجعله لا يستطيع أن يقوم بجزء منها، ونكون قد خسرناه مرتين. مرة:لأننا لم نستفد من اختصاصه.
والثانية: أننا لم نستفد من فترة اكتمال تجربته ونضوج عقله.
ونحن هنا لا نريد أن نقلل من أهمية المعلومات العامة ، وتوسيع المدارك ، ولا من قدرات بعض الناس، وإنما نريد أن نكون واقعيين نعرف روح العصر وما يتطلبه، ونعلم كيف تتطور الأحداث، وكيف نستفيد من التيسيرات المادية الحديثة التي توفر الجهد، وتساعد على التغلب على ما فقد من صفاء الذهن، كما نريد أن يتعمق أهل الاختصاص في اختصاصهم دون أن يفقدوا ميزة سعة الأفق، كي نستثمر جهودهم ولا نشغلهم بأمور شتى، فتضيع الجهود أو لا ينتجون إلا قليلًا.