الصفحة 560 من 3812

محمد العبدة:

آخر يوم في حياة الداعية

الدعاة إلى الله لهم منزلة من أعلى المنازل ، ذلك لأنهم لا يستوحشون من قلة السالكين ، ولا يغترون بكثرة الهالكين ، وتحملون في سبيل الدعوة الأذى والعنت صابرين محتسبين ، عرفوا أن الأمة الإسلامية جاء دورها لتحقيق ما أراده الله منها .

آخر يوم وأسباب النكوص

وإذا كان الداعية بهذه المثابة فما هو آخر يوم في حياته؟

إنه اليوم الذي يتخلى فيه عن أعز ما يملك ، يتخلى عن دعوته ، إنه يوم مظلم قاتم ، لأن سقوط الداعية سيتعدى ضرره إلى غيره ويثقل كاهل الدعوة ويزيد من أعبائها ، عدا ما تحدثه هذه الظاهرة من شروخ وتصدع في بنية العمل الإسلامي ، ولعلي أذكر شيئا من أسباب هذا النكوص فمنها:

1-ضعف في الجانب التربوي حتى تطغى الجوانب الإدارية والسياسية على كل شيء مما يجعل الإداريين مقطوعي الصلة بالتربية والشؤون التربوية نظريًا وعلميًا. وهنا يبرز صنف يقال عنهم بأنهم فوق التربية ، إنهم تجاوزوا مرحلة التربية ، وهذا غير صحيح.

2-عدم وضع الفرد المناسب في المكان المناسب مما يؤدي إلى الفشل أو الخسارة.

3-عدم متابعة التأهيل التربوي، إما تكاسلًا ، أو أن القاعدة العريضة من الجماهير أكبر من الإمكانيات.

4-طبيعة غير انضباطية ، فهو لا يطيق القيود ، ويريد المحافظة على كيانه وشخصيته كما هي وما فيها من عيوب ونقائص.

5-الوهن والخوف على الرزق ، أو حب الدنيا والتكالب عليها.

6-حب الظهور ، وقديمًا قيل:"حب الظهور يقصم الظهور"، وهذا الغرور يقوده إلى التطلع للرئاسة ويرى أنه أفضل الموجودين.

7-ضغط المحن والأهل والأقربين.

قواعد عامة

وأخيرًا لابد من ذكر بعض القواعد الهامة:

1-أن الداعية لا يسوغ له أن يمنح نفسه إجازة من العمل للدعوة.

2-أن من سنة الله عز وجل أن هذا الدين لا يتحقق في واقع البشرية إلا بالجهد والجهاد البشري، وذلك يجعلنا نسعى دائبين لتحقيق هذه السنة الربانية.

3-أن هذا الدين عزيز وغال لا ترتقي إليه همة الضعفاء العاجزين.

4-أن الله تكفل بحفظ هذا الدين ولو كره الكافرون ، طال الزمن أو قصر.

5-أن نكوص البعض عن الدعوة لا يزيد النفوس المؤمنة إلا مضاء وثباتًا ، وهذه هي طريق الأنبياء.

وفي النهاية يجب أن يعلم كل داعية أن الدين دين الله وهو حافظه، وأن الثبات إنما هو من عند الله والموفق من وفقه الله فلابد من دعاء الله بالثبات والنصرة والتوفيق .. والنكوص لا يضر إلا أصحابه {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} .

الله انصر دينك وكتابك وسنة نبيك واستعملنا ولا تستبدلنا .

بين يدي الدعوة

وسائل دعوة غير المسلمين كثيرة ، والداعية الموفق يختار من الأساليب ما يشعر أنه مؤثر وناجح ، وبعض الناس قد لا يستجيب للدعوة إلا أن يرى شيئًا عظيمًا يجعله يقف مبهورًا معجبًا ، شيئًا يشده إلى الإسلام شدًا ، ويأسره أسرًا ويجعله يعيد حساباته ويفكر بعمق ويقارن بين الماضي والحاضر ثم يتخذ في نفسه القرار. لقد قرر أن يستسلم ولكنه استسلام الحازم المطمئن الذي عرف الحقيقة فعلًا وليس استسلام العاجز أو صاحب غرض.

هكذا وقفت ملكة سبأ التي كانت تعبد الشمس هي وقومها عندما دعاها سليمان عليه السلام إلى الإسلام ، أبت أن تنقاد مع اعترافها بضعفها أمام قوة سليمان وجنوده ، ولكن عندما دخلت الصرح وحسبته لجة: (قَالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) [النمل:144] لقد عُرضت عليها مظاهر القوة الخارقة لتؤثر في قلبها وتقودها إلى الإيمان .

وفى الإسلام ليس الأصل هو المعجزات المادية - وإن جاءت عفوًا وإكرامًا فلا بأس- ولكن أليس التزام المسلم بدينه وتطبيقه في كل شئون حياته أكبر معجزة ؟

وفى قصة إسلام خالد بن الوليد رضى الله عنه أنه خرج من مكة ميممًا شطر المدينة فلقيه في الطريق عمرو بن العاصي - رضي الله عنه - فقال له: إلى أين يا أبا سليمان ؟ قال: لقد استقام الميسم (وضح الطريق) وهاجرا معًا إلى المدينة.

إن خالدًا قائد عسكري فذ ، ولا يخفى عليه أن انتصارات محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما هي انتصارات دين سماوي ، انتصارات نبي يمثل الكمال البشري مؤيد من الله يسدده ويرشده، وبعد معارك وصراع من بدر إلى الحديبية استسلم خالد بن الوليد ، ولكنه استسلام القوي العاقل الذي يعرف مواقع الحزم واتخاذ القرار المناسب.

وقد سمعنا في العصر الحديث أن بعض الكفار من الأوربيين أسلموا عندما رأوا صفوف المسلمين في الصلاة، وخشوعهم وإقبالهم على الله.

قال الفيلسوف الفرنسي (رينان) :"كلما رأيت صفوف المسلمين في الصلاة أتأسف أني لست مسلمًا". إنها كلمة صدق من كذوب، فما الذي يمنعه عن الإسلام ؟

إن عرض الإسلام عرضًا جذابًا مع العلم الراسخ قد يكون من المؤثرات الفعالة في إقبال الناس على هذا الدين ، كما وصف ابن عباس - رضي الله عنه - حين فسّر سورة البقرة في أيام منى من الحج ، قال من سمعه:"لو سمع تفسيره يهود أو نصارى لأسلموا".

وإن أعظم دعوة للإسلام هو التزام المسلمين بشريعة الإسلام وشعائره وآدابه وأخلاقه، وإصرارهم على هذا ، وتحديهم للمجتمعات المنحرفة .

محمد العبدة ( البيان رجب 141

أسرة قرآنية .. تستحق التكريم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت