كما ضرب صلى الله عليه وسلم للأمة مثل الجليس الصالح والجليس السوء بشيء محسوس وظاهر، كل يدرك أثره وعاقبته، ومقدار نفعه أو ضرره . فقد أخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة".
قال الإمام ابن حجر تعليقا على هذا الحديث:"فيه النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما)."
لذا .. فإن من الحزم والرشاد، ورجاحة العقل وحصافة الرأي ألا يجالس المرء إلا من يرى في مجالسته ومؤاخاته النفع له في أمر دينه ودنياه ، وإن خير الأصحاب لصاحبه، وأنفع الجلساء على جليسه من كان ذا بر وتقى، ومروءة ونهى، ومكارم أخلاق، ومحاسن آداب وجميل عوائد مع صفاء سريرة، ونفس أبية وهمة عالية.
وتكمل صفاته ويجل قدره حين يكون من أهل العلم والأدب والفقه والحكمة، إذ إن هذه صفات الكمَّل من الأنام الذين يأنس بهم الجليس، ويسعد بهم الصديق، لإخلاصهم في المودة، وإعانتهم على النائبة، وأمن جانبهم من كل غائلة. قال عمر بن الخطاب: عليكم بإخوان الصدق فإنهم عون لكم عند الرخاء وعدة عند البلاء .
فمن وفق لصحبة من كانت هذه صفاته وأخلاقه ، وتلك شمائله وآدابه ، فذلك عنوان سعادته ، وإمارة توفيقه ، فليستمسك بغرزه، وليعض عليه بالنواجذ، وليرع له حق الصحبة بالوفاء والصدق معه، وتوقيره وإجلاله ومؤانسته حال سروره، و مواساته حال مصيبته، وإعانته عند ضائقته، و التغاضي عن هفواته، والتغافل عن زلاته، إذ السلامة من ذلك أمر متعذر في طبع البشر، وحسب المرء فضلا أن تعد مثالبة ومعايبه .
وإن شر الأصحاب على صاحبه ، وأسوأهم على جليسه ، من ضعفت ديانته وساءت أخلاقه ، وخبثت سريرته ، ولم تحمد سيرته، من لا هم له إلا في تحقيق مآربه وأهوائه ، ونيل شهواته ورغباته ، وإن كان على حساب دينه ومروءته ، ولربما بلغ الحال في بعض هؤلاء ألا يقيم للدين وزنا .
مجلة الدعوة
السعادة
قالوا السعادة في السكون .. .. .. وفي الخمول وفي الخمود
في العيش بين الأهل .. .. .. لا عيش المهاجر والطريد
في لقمة تأتي إليك .. .. .. بغير ما جهد جهيد
في المشي خلف الركب .. .. .. في دعة وفي خطو وئيد
في أن تقول كما يقال .. .. .. فلا اعتراض ولا ردود
في أن تسير مع القطيع .. .. .. وأن تُقاد ولا تقود
في أن تعيش كما يُراد .. .. .. ولا تعيش كما تريدُ
قلت الحياة هي التحرك .. .. .. لا السكون ولا الهمود
وهي التفاعل والتطور .. .. .. لا التحجر والجمود
وهي الجهاد وهل يجاهد .. .. .. من تعلق بالقعود
وهي الشعور بالانتصار .. .. .. ولا انتصار بلا جهود
وهي التلذذ بالمتاعب .. .. .. لا التلذذ بالرقود
هي أن تذود عن الحياض .. .. .. وأي حر لا يذود
هي أن تحس بأن كأس الذل .. .. .. من ماء صديد
هي أن تعيش خليفة في الأرض.. .. .. شأنك أن تسود
وتقول لا وبملء فيك .. .. .. لكل جبار عنيد
هذي الحياة وشأنها .. .. .. من عهد آدم والجدود
فإذا ركنت إلى السكون .. .. .. فلذ بسكان اللحود
إن السعادة أن تعيش.. .. .. لفكرة الحق التليد
وتعلم الفكر السوي .. .. .. وتصنع الخُلق الحميد
رسالة إلى خطيب
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
فإن الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الأعمال ، وكيف لا تكون كذلك وهي رسالة الرسل والأنبياء ، وطريق المصلحين والعلماء ، لا يقوم الدين إلا بها، ولا ينتشر إلا عن طريقها.
الداعي إلى الله تعالى قائل بأحسن قول: قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33] .
ولقد بشر الله سبحانه الدعاة إلى الله بالفلاح في الدنيا والآخرة: فقال سبحانه وتعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران:104] .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لازمة لعباد الله المؤمنين: قال سبحانه وتعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [التوبة:71] .
وحسبك أخي الداعية أن المخلوقات تدعو لك بظهر الغيب ؛ فقد روى الترمذي بسند جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله وملائكته ، حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ، ليصلون على مُعَلِّمِ الناس الخير ] .