الصفحة 564 من 3812

أخي ـ خطيب الجمعة ـ: إن خطبة الجمعة لها أهمية كبرى بين وسائل الدعوة المتاحة للدعاة ، فقد يتكاسل الناس عن المحاضرة ، وقد يتخلفون عن الدرس، لكنهم لا يتخلفون عن الجمعة ، إلا الذين لا يصلون أصلًا ، لأن المسلمين مأمورون جميعا بحضور الجمعة . قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة:9] . ولذا فقد تجد أمامك جمعا غفيرا من المسلمين ، وربما تجد من بينهم من لا يدخل المسجد إلا يوم الجمعة ، وستجد فيهم الصالح والطالح ، والمفرط والمحافظ ، والمتواضع والمتكبر ، والمتقبل والمعاند . بل ستجد منهم المتعلم والأمي ، والصغير والكبير، والذكر والأنثى ، وغير ذلك من فئات المجتمع ، فكيف تخاطب هؤلاء جميعا بالأسلوب المناسب ، وكيف تستغل هذا الموقف للأخذ بأيدي هؤلاء جميعا إلى طريق الله عز وجل ؟

فبات من الواجب عليك ـ أخي الخطيب ـ أن تتعلم فن الدعوة ؛ لتقدم تعاليم الإسلام في أبهى منظر وأجمل حلة .

أسباب نجاح الخطبة

1ـ التكلم باللغة العربية الفصحى:

ينبغي على الخطيب أن يحرص على أن يلقي خطبته بالفصحى قدر جهده ، لأنها لغة القرآن الكريم، وشعار الإسلام .

والحديث بالفصحى يضفي على خطبتك إشراقا ، وعلى كلماتك نورًا ، وفي نفوس مستمعيك قبولا

2ـ التوسط في الإلقاء:

بحيث لا يكون كلامك سريعا فلا يفهم ، ولا بطيئا فيمله السامعون ، ولتعط لكل موقف ما يلزمه ، فإذا احتاج إلى انفعال أسرعت ، وإن احتاج إلى إقناع أبطأت .

3ـ الاقتصاد في الخطبة:

فلا تكون طويلة مملة ، ولا قصيرة مخلة ، ولا تكون متشعبة الأفكار ، كثيرة الشواهد ، ركيكة المعاني ، بل موجزة مقتصدة ، وتلك هي السنة ، فقد قال سيد الخطباء صلى الله عليه وسلم: (إنَّ قصر خطبة الرجل ، وطول صلاته ؛ مئنة من فقهه) . ( رواه مسلم ) ، لأن القصر والإيجاز وإيصال المعنى من أقرب طريق؛ دليل على الفصاحة والعلم والفقه .

4ـ ربط الخطبة بالواقع:

عليك أن تتحسس مشاكل مدينتك وتعالجها من فوق أعواد منبرك ، تعايش الناس وتترك المنبر يجيب عن تساؤلاتهم ، فحينما تكون خطبتك منتزعة من الواقع تكون أقرب إلى قلوبهم وأوقع في نفوسهم .

5ـ المخاطبة على قدر الفهم:

فلا تخاطب العوام بمنطق علمي مرتفع ، ولا المتعلمين المثقفين بمنطق بدائي ممجوج ، بل تخاطب الناس على قدر عقولهم وعلومهم .

6ـ الترفع عن الغلظة في القول والبذاءة في اللسان:

فلا تحقر مستمعيك ، ولا تقلل: من شأنهم ، ولا ترميهم بالجهل وقلة الفهم ، ولا تقذفهم بالفسق والفجور ، أو غير ذلك مما لا يليق بمكانة الداعية ـ حتى ولو كانوا كذلك ـ، بل تتلطف بهم في الحديث ، وترفق بهم في القول . قال تعالى ـ مبينا سبب اجتماع الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم ـ: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ َ) [آل عمران:159] . وقال تعالى ـ مرشدًا للطريقة المثلى في الدعوة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل:125] .

7ـ استثارة همم المدعوين بما يفتح قلوبهم:

كان تخاطبهم بـ ( يا أخوة الإسلام ) ، ( يا أيها المؤمنون ) ، ( يا من آمنتم بالله ربا ، وبمحمد نبيا ، وبالإسلام دينا ) ، وما شابه ذلك مما يفتح قلوبهم ويقرب نفوسهم ، فإن المحبة مفتاح القلوب .

فهذا إبراهيم عليه السلام يذكر أباه برابطة الأبوة أثناء دعوته ، فيقول: ( يا أبت ..) [مريم: 42] ، ويكررها كثيرًا .

وهذا لقمان يذكر ابنه برابطة البنوة ليكون أدعى لقبول الموعظة ، فيقول: (يا بني لا تشرك بالله ...) [ لقمان: 13] .

وهذا هود عليه السلام يذكر قومه برابطة القرابة فيقول: ( يا قوم .. ) [ هود: 50] .

وربنا تبارك وتعالى يذكر المؤمنين بإيمانهم ، ليردهم وازع الإيمان إلى الاستجابة والطاعة ،فيقول سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا ... ) [ البقرة: 153] .

8 ـ الابتعاد عن الحركات الكثيرة:

ينبغي أن تتسم بالاتزان أثناء الإلقاء ، فلا تتحرك أو تشير إلا في الموقف الذي يدعو إلى ذلك ، وعليك بتجنب الحركات التي تسقط هيبتك من أعين الناس، مثل كثرة بلع الريق ، وفتل الأصابع ، والسعال المتكلف، وكثرة الالتفات ، وما شابهها .

9 ـ حسن المظهر:

ينبغي أن تصعد المنبر بالمظهر اللائق بالداعية ، فلا تلبس ثيابا رثة ، أو ممزقة ، ولا تلبس ثياب المترفين الرقيقة الشفافة .

فعليك أن تكون نظيف الثياب من غير تبرج ، طيب الرائحة من غير إسراف ، مهيب المنظر من غير تكلف .

10ـ التحضير الجيد للخطبة:

لا تصعد المنبر إلا وقد حددت موضوعك ، ورتبت أفكارك وانتقيت ألفاظك ، حتى لا ترتج عليك العبارات ، وتستعجم عليك الكلمات ، فلا تتمكن من تبليغ دعوة مولاك .

ولا بأس في أن تستمع إلى أشرطة الخطباء المشهورين ، والوعاظ المبرزين لتتدرب على طرق الإلقاء ، ووسائل التأثير ، وأساليب الإقناع .

11.ألا تصعد المنبر وأنت ممتلئ المعدة:

لأنه إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، و خرست الحكمة ، وكسلت الأعضاء عن العبادة . وقال محمد بن واسع: من قل طعامه فهم ، وأفهم وصفا و رقَّ ، وإن كثرة الطعام لتثقل صاحبها عن كثير مما يريد . وقال الشافعي: الشَّبع يثقل البدن ، ويزيل الفطنة ،ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة .

تلكم هي أسباب نجاح الخطبة ، فاحرصوا عليها إخواني الخطباء ، وكونوا منها على ذكر دائما ، وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه .

كرامة الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت