في المجتمع الإسلامي الرفيع ، يعيش الناس آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم ، آمنين على عوراتهم وأسرارهم ، ولا يوجد مبرر ـ مهما يكن ـ لانتهاك تلك الحرمات، وحتى ذريعة تتبع الجريمة وإثباتها لا تصلح في النظام الإسلامي مسوغًا للتجسس على الناس ، فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم.
إن التحرر من الخوف الظالم، هو الذي يفتح الطريق أمام الشعوب العربية لحياة كريمة، تُحترم فيها حقوقها، وتُصان فيها آدميتها، فسحق كرامة الإنسان هو السبب المباشر فيما تعانيه الأمة العربية والإسلامية اليوم، لأن المظلوم والمستعبد لا يحرر أوطانا، ولا يدفع عدوانا، ولا يستطيع أن يعمر أو يبني، ما دام لا يشعر بالأمان والاستقرار.
إن كل نظام سياسي أو اقتصادي، وطني أو عالمي، لا يتخذ تطبيق (( كرامة الإنسان ) )غاية له، هو نظام فاسد، ومصيره العاجل والآجل التفتت والانهيار.
فأين الإنسان اليوم من هذا التكريم ؟!
لقد فقد كل شيء؛ حقوقه وحريته وكرامته، وأصبح لعبة في أيدي المعتدين، يمكن أن يعتقل دون أن يحقق معه، وأن يسجن وأن يعذب ويلقى في غياهب السجون بغير ذنب ارتكبه .
إن أي أمة لا تنهض بدون عقيدة تحوطها حرية وكرامة وهدف ، كما أن تفريغ العقول والقلوب من العقيدة والفهم والأخلاق لهو أمر خطير على الأمة ومستقبلها، وقيام البعض بتصوير التدين على أنه تهمة، والجدية تخلف، والالتزام تنطّع ، والحرية إثم كبير لهو أمر في غاية العجب !!.
مجلة: البلاغ
الزمن المقلوب ، وفيتامين واو
تكبير الصغير وتصغير الكبير، وتحقير العظيم وتعظيم الحقير، تقديم المتأخر وتأخير المتقدم، كلها معاول هدم وأدوات خراب، إذا أصيب بها أي مجتمع فأقم عليه مأتمًا وعويلًا، فأصحاب الكفاءات النادرة والتخصصات الرفيعة حين يجدون أمامهم الأبواب مغلقة والفرص مزوَرَّة، ومتاحة لغيرهم ممن هم أقل كفاءة وخبرة، لا شك ستجمد إبداعاتهم ويصابون بخيبة الأمل.
إن الوساطة الغاشمة التي تقدم من لا يستحق التقديم، وتؤخر من تؤهله قدراته أن يكون في مكان الصدارة، هي نذير شؤم، وويلات بلاء، وسقوط سحيق في مستنقع الهاوية.
وقد اعتبر الإسلام هذا المسلك من علامات الساعة، حين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن علاماتها قال:"إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة"قيل فكيف إضاعتها ؟ قال:"إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
كما أن القرآن الكريم عول على أن الكفاءة والتخصص هما وحدهما اللذان يؤهلان أصحابهما للأعمال المناسبة لهم، فقال على لسان يوسف عليه السلام: ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف:55] .
وقالت ابنة شعيب عليه السلام لأبيها عن مؤهلات موسى صلى الله عليه وسلم:"يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين".
كما أن الله تعالى قرر في كتابه أن المؤهلات وحدها هي التي ترفع أصحابها حين ذكر قصة طالوت وجالوت، فقال على لسان نبيهم:"إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه لمن يشاء"، فالمؤهلات وحدها هي التي رفعت من شأن هذا القائد وجعلته في الصدارة .
لقد أمر الإسلام بالشفاعة الحسنة التي تمنح الحق لصاحبها وتلفت النظر إلى قدراته، ولكنه منع منعًا صارمًا من أن تكون الشفاعة على حساب الآخرين بسبب القبيلة أو الجنس أو اللون.
ـــــــــــ
مجلة البلاغ
لو أقسم على الله لأبره
إن لله عبادًا اختصهم - تبارك وتعالى - بمنزلة وفضيلة ليست لغيرهم من الناس، ومن هؤلاء من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله:"رُبَّ أشعثَ مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (رواه مسلم) ، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بأهل الجنة ؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره . ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر«" (رواه البخاري ومسلم) .
وأعلى النبي صلى الله عليه وسلم منزلة الضعفاء وشأنهم، فقال لسعد ابن أبي وقاص - رضي الله عنه - حين رأى أن له فضلًا على من دونه:"هل تُنصَرون وترزقون إلا بضعفائكم" (رواه البخاري) ، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:"ابغوني ضعفاءكم؛ فإنما تُرزقون وتنصرون بضعفائكم" (رواه أحمد والترمذي) ، وقال صلى الله عليه وسلم:"طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذَن له، وإن شَفَعَ لم يشفَّع" (البخاري) .
وتفاضُلُ الناس إنما هو بمعيار واحد وميزان واحد هو التقوى فأكرمهم عند الله أتقاهم.
هذه الحقائق البدهية والمسلَّمات التي يعيها كل مسلم مهما كانت ثقافته وعلمه قد تغيب عن بعضنا بفعل مؤثرات أخرى .
ومن ذلك: أن أرباب الأعمال، بل والدعاة إلى الله يعتنون بفئات معينة من الناس ؛ فصاحب الذكاء، والرجل القيادي ، وصاحب الشخصية الجذابة يجدون من التقدير والاعتبار لدى هؤلاء ما لا يجده غيرهم ، ويبحثون عنهم ويعتنون بهم لأنهم هم المؤهلون لتولي الأعمال والمسؤوليات ويرى هؤلاء أن الرجل الصالح - مهما بلغ من التقى والزهد والعبادة - ما لم يكن يحمل مواصفات القيادية فليس هو المؤهل لتولي المسؤولية.
وهذا أمر لا نزاع فيه؛ فقد قال - تعالى - على لسان ابنة شعيب:"إن خير من استأجرت القوي الأمين" [القصص:26] .
وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه:يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين على مال يتيم.