ومع ذلك قال عنه صلى الله عليه وسلم:"ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من رجل أصدق لهجةً من أبي ذر" (رواه احمد) .
وحين نفرق بين تأهل شخص لتولي مسؤولية أو الاعتناء بتربيته ورعايته وإعداده، وبين المحبة والولاء واعتقاد الفضيلة، فإننا نقف موقف الاعتدال في التعامل مع هذه القضية، ونضع النصوص الشرعية في موضعها.
كما لا يسوغ أن يدعونا شعورنا بكون فلان أوْلى بهذه المسؤولية إلى التقليل من شأن الآخر، فضلًا عن أن ننظر بازدراء أو استخفاف لمن نعتقد أنَّا قد فُضِّلنا عليه بالعقل والإدراك ؛ فهذا مزلق خطير، وهو من باب غمط الناس وازدارئهم، ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.
بل والصحوة اليوم تحتاج لطائفة من الصالحين الصادقين الذين لا يأبه لهم الناس ، ولو لم يتولوا مسؤوليات وأعباء فلعلها تُنصر وتُوفق بدعائهم وصدقهم مع الله تعالى.
نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يرزقنا البصيرة والفقه في الدين، وأن يجعلنا من عباده المتقين، إنه سميع مجيب .
يدعو إلى الله وهو بين الصفين
في معركة اليرموك خرج من بين صفوف الروم جَرَجَة - واسمه جورج بن تيودور، وكان يجيد اللغة العربية - حتى كان بين الصفين ونادى: ليخرج إليّ خالد ، فخرج إليه خالد دون تردد ، وأقام أبا عبيدة مكانه ، فوافقه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما ، وقد أمن كل منهما صاحبه .
فقال جرجة: يا خالد اصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب ، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله ، هل أنزل الله على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاكه فلا تسلّه على قوم إلا هزمتهم ؟
خالد: لا .
جرجة: فيم سميت سيف الله المسلول ؟
خالد: إن الله عز وجل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم ، فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعًا ، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه ، فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه ، فقال: أنت سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين ، ودعا لي بالنصر ، فسميت سيف الله بذلك ، فأنا من أشد المسلمين على المشركين .
جرجة: صدقتني . ثم أعاد عليه جرجة: يا خالد ؟ أخبرني إلام تدعوني ؟
خالد: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله ، والإقرار بما جاء به من عند الله .
جرجة: فمن لم يجبكم ؟
خالد: فالجزية ، ونمنعهم .
جرجة: فإن لم يعطها ؟
خالد: نؤذنه بحرب ثم نقاتله .
جرجة: فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا ؟
خالد: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا ، شريفنا ووضيعنا ، وأولنا وآخرنا .
جرجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل مالكم من الأجر والذخر ؟
خالد: نعم وأفضل ؟
جرجة: وكيف يساويكم وقد سبقتموه ؟
خالد: إنا دخلنا في هذا الأمر وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم ، وهو حي بين أظهرنا ، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب ويرينا الآيات - المعجزات - ، وحق لمن رأى مثل ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع ، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج ، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا .
جرجة: بالله ، لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني ؟
خالد: بالله ، لقد صدقتك ، وما بي إليك ولا إلى أحد منكم حاجة ، وإن الله لولي ما سألت عنه .
جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني ، علمني الإسلام .
فمال به خالد إلى فسطاطه ، وسكب على جسمه الماء من كل جهة لكي يتطهر قبل صلاته ، ثم صلى ركعتين بعد أن علمه خالد الصلاة ، ثم خرج جرجة فقاتل المشركين حتي قتل.
في هذا الحوار كثير من المعاني الرائعة التي تستحق الوقوف معها ومن هذه المعاني:
-تواضع سيف الله خالد عندما قال: أنا من أشد المسلمين على المشركين ، فكلمة (من) جعلت الجملة تفهم جرجة أن في الجيش كثرًا من أمثال خالد .
-الحوار الذي دار أسلوب جميل للدعوة إلى الله، دعوة إلى معروف بمعروف ببساطة ووضوح .
-توضح الفقرات احترام خالد التام لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-يدل الحوار على شيء غفل عنه كثيرون ألا وهو: لوترك الملوك الدعوة الإسلامية وخلوا بينها وبين شعوبهم لجرت مثل هذه المناقشات، فترى الشعوب بساطة ووضوح العقيدة الجديدة ومساواتها بين أميرها ووضيعها، ومساواة حامل الدين الذي أسلم قبل سنوات وبين من سيسلم حديثًا كلهم أخوة وحقهم واحد وثوابهم واحد، ولدخلت في دين الله هذه الشعوب .
اليرموك ، د/ شوقي أبو خليل
وقفة حساب
الحمد لله قسم الزمان قرونًا، وعقودًا، وسنوات، وأشهرا، وأسابيع، وأيامًا، وليالي، وساعات، وقسم الساعات دقائق وثوان، وجعل للإنسان عمر خبأه، وجعل للإنسان أعمالًا قدرها ويسرها.
وكل عبد ينظر نتيجة عمله من زراعة أو تجارة أو صناعة ، أو غير ذلك، ويحصي ربحه أو خسارته ليستفد من يومه إلى غده، ومن عام مضى إلى عام يستقبله، وإن العمر حلقات تنتهي بالموت، وليس الموت عدمًا، إنما الموت انتقال من حياة العمل إلى حياة الحساب، ففي القبر سؤال وفيه نعيم، أو عذاب، ثم إن بعد الموت بعثًا وحشرًا، يكون فيه الوزن والحساب والصراط والميزان، ثم جنة أو نار .
فمن حَسُن وعيه استدرك على نفسه الخطأ، فقوَّمه، وعرف الصواب فالتزمه؛ لذا وجب على العبد أن يقف مع نفسه وقفة حساب؛ ليتوب من كل ذنب وقع فيه، حتى يقبل على ربه وقد عمل ما يُرضيه، فينجيه من النار، ويدخله الجنة.
معالم وقفة الحساب