يا أبى ، هذا ثالث يوم لم نذق فيه طعاما، و هذا يوم صيام وحر … فإذا صبرت وصبرت أنا فإن البنات و العجوز لا يقدرون على الصبر، وقد هدهن الجوع، فاستعن الله ، واخرج فالتمس لنا شيئا فلعل الله يفتح عليك بدوانق أو كسيرات ندخرها فطورنا.
قال: أفعل إن شاء الله.
وانتظر حتى علت الشمس وكان الضحى ، فخرج يجول في أزقة مكة وطرقها، وكان الناس قد انصرفوا إلى دورهم ليقيلوا، فلم يلق في تطوافه أحدا. واشتد الحر و تخاذلت ساقاه وزاغ بصره ، وأحس بجوفه يلتهب التهابا من العطش ،و كان فد صار في أسفل مكة فألقى بنفسه في ظل جدار.
وكان من أكبر أمانيه أن يدركه الأجل فيموت مؤمنا، فيتخلص من هذا الشقاء و ينال سعادة الأبد. و جعل ينكت التراب بيده، و هو سادر في أمانيه، فلمس بيده شيئا مستطيلا لينا فسحبها و نظر ، فإذا هو بذنب حية مختبئة خلال التراب، فتعوذ بالله ، ثم عاودته رغبته في الموت ، وتمنى لو تلدغه فتريحه، ثم ذكر أنه لا ينبغي للمؤمن أن يطلب الموت، وإنما ينبغي له أن يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأمتني إن كان الموت خيرا لي. فقالها واستغفر الله.
وعاد يرقب الحية فإذا هي ساكنة، فعجب منها، ولمسها برجله فلم تتحرك ، فبحث عنها وحفر، فإذا الذي رآه حزام وليس بحية، فشده فجاء في يده (هميان) فيه الذهب ، عرفه من رنينه وثقله، فأحس جوعه وعطشه قد ذهبا، وكأن القوة قد صبت في أصابعه، والشباب قد عاد إليه … وتصور أنه سيحمل إلى نسائه الشبع والراحة، ويملأ أيديهن مما كن يتخيلنه ولا يعرفنه من نعيم الحياة، ورغد العيش ، وجعل يفكر فيم يشتريه لهن ، وكيف يلقين هذه النعمة التي ساقها الله إليهن، حتى كاد يخالط في عقله.
ثم تنبه في نفسه دينه، وعلا صوت أمانته يقول له:
إن هذا المال ليس لك . إنما هي لقطة لا بد لك من التعريف بها سنة، فإذا لم تجد صاحبها حلت لك.
وتصور السنة وطولها وهو يبحث عن عشاء يومه. وهل يبقى حيا سنة أخرى ؟ وهل تبقى أسرته في الحياة ؟ وماذا ينفعه أن يكون الذهب له بعدما مات من الجوع ، ومات معه من يرثه؟
وأحس كأن قواه قد خارت ، وودّ لو أعاد الهميان إلى مكانه، ولم يكن قد ابتلي هذه البلية . ولكنه كان رجلا فقيها يعلم أن اللقطة إن مست فلا بد من التعريف بها، وإن هو أرجعها إلى مكانها وفقدت كان المسؤول عند الله عنها، أما إذا لم يمسها فلا شيء عليه .
و جعلت الأفكار تصطدم في رأسه، وتتراكض وتصطرع، حتى شعر أن عظم صدغيه سيتكسر من قرع الأفكار المتراكضة في رأسه، وطفق يسمع صوتا يهتف به أن: خذها فهي رزق ساقه الله إليك. ادفع بها الموت عن بناتك اللائي أطاف بهن الموت .أشبع بها هذه الأكباد الغرثى . اكس هذه الأجساد العارية . ثم إذا أيسرت ردّدتها إلى صاحبها، أو دفعت إليه دنانير ناقصة لن يضره على غناه نقصها..
ثم يسمع هاتف دينه يقول له:اصبر يا رجل ،و لا تخن أمانتك و لا تعص ربك ، وعقد العزم على الصبر، واستعان بالله ، وذهب إلى داره يخبئ الهمبان حتى يجيء صاحبه…أو يحكم الله فيه..
دخل الدار متلصصا، فرأته امرأته فقالت:
ما جاء بك يا أبا غياث؟
فال: لا شيء . وأحب أن يكتمها خبر الهميان ، وما كان يكتمها من قبل أمرا.
قالت: بلى والله ؛ إن معك شيئا، فما هو؟
فخاف أن تراه فيستطار لبها فقص عليها القصة، وكانت امرأة تقية دينة ، ولكنها أضعف منه إرادة ، وأوهن عزما فقالت:
افتحه، وخذ منه دنانير فاشتر لنا بها شيئا، فإننا مضطرون والمضطر يأكل الميتة…
قال لا والله ، ولئن مسسته أو أخبرت خبره أحدا فأنت طالق.
وتركها مغيظة محنقة وخرج يبحث عن صاحبه، لعله يأخذ منه شيئا حلالا يدفع به الضر عن عياله.
ومشى إلى الحرم، وكان فيه شاب طبري طالب علم.
فال الشاب الطبري:( فرأيت خراسانيا ينادي، يا معشر الحاج من وجد هميانا فيه ألف دينار فرده علي أضعف الله له الثواب.
فقام إليه شيخ من أهل مكة كبير من موالي جعفر بن محمد، فقال:يا خراساني ، بلدنا فقير أهله، شديد حاله،أيامه معدودة، ومواسمه منتظرة، ولعله يقع في يد رجل مؤمن يرغب فيما تبذله له حلالا فيأخذه ويرده عليك.
قال: الخراساني: يابا كم يريد؟
قال العشر، مئة دينار.
قال: يابا . لا نفعل ولكن نحيله على الله تعالى.
وافترقا. قال الطبري: فوقع في نفسي أن الشيخ هو الواجد للهميان فاتبعته، فكان كما ظننت ، فنزل إلى دار مسفلة زرية الباب والمدخل، فسمعته يقول: يا لبابة.
قالت: لبيك أبا غياث.
قال: وجدت صاحب الهميان ينادي عليه مطلقا. فقلت له: قيده بأن تجعل لواجده شيئا، فقال: كم؟ قلت: عشرهة فال:
لا نفعل، ولكنا نحيله على الله عز وجلّ ، فإيش نعمل؟ لا بد لي من رده.
فقالت له: نقاسي الفقر معك منذ خمسين سنة، ولك أربع بنات و أختان وأنا وأمي وأنت تاسع القوم.
يا أبا غياث إن الله أكرم من يعاقب رجلا يحيي هذه الأنفس
إنك لم تسرقه ولم تغصبه ، ولكن الله هو الذي وضعه بين يديك ، فلا ترفض نعمة أنعم الله عليك . إن الله يسألك عن هؤلاء النسوة…