وهنا يطفو سؤال: وماذا كان موقف أسرتها هي من إسلامها ؟
إن الأمر كان صعبًا على أسرتها ، فعلى الرغم من عدم التزام الأسرة الديانة النصرانية ، إلا أنها لم تتخيل أن تترك ابنتها عقيدة آبائها يومًا؛ من هنا كان رفضهم لإسلام مريم، وبخاصة الأم، إلا أنهم بمرور الزمن بدؤوا يتقبلون الواقع، وبخاصة حين رأوا أن ابنتهم بعد إسلامها صارت أفضل مما كانت عليه أيام النصرانية ، وما لبث والدها أن بدأ يقرأ معاني القرآن الكريم مترجمة، والأمل كبير أن ينقذ الله روحه الحيرى ، ولا سيما بعد ما صار يعلن عن حبه للإسلام، لكن دون اتخاذ الخطوة المطلوبة نحو إشهار إسلامه.
المرأة الأوروبية مخدوعة
لقد أتاح كون مريم متزوجة من شخص مسلم فرصة لها في أن تقلل المعارضة لقرار إسلامها، ثم إنه أيضًا أتاح لها أن تتعرف إلى مسلمين، وان تقابل بين حال المرأة في أوربا، وحالها كما تراها شريعة الله التي هي الإسلام، فالمرأة في أوربا قد خدعوها باسم الحرية ، وأحالوها إلى مجرد دمية يتسلون بها، ففقدت أنوثتها، وفقدت كرامتها، وصارت لا تزيد على كونها لعبة يلهو بها الرجال وقتما يشاؤون..
فباسم المساواة جردوها من كل معاني الأنوثة، وباسم الحرية أقنعوها بالاستجابة لنداء الحيوان ، والعيش بدون زواج ، أما في الإسلام فقد وجدت مريم وضعًا آخر للمرأة ، التي لم تنل في أي عقيدة تكريمًا أو موقعًا مماثلًا لذلك الذي لقيته من العقيدة الإسلامية التي أكرمتها زوجة وأمًا وأختًا وابنة، وأتاحت لها حقوقًا لم تحصل عليها نظيراتها الغربيات ، وأولها حقها بعد الزواج في الاحتفاظ باسم عائلتها وشخصيتها وأهليتها المدنية كاملة، بعكس المرأة الغربية التي لا تلبث بعد الزواج أن تتسمى باسم عائلة زوجها، وتصبح حقوقها المالية مشتركة معه، ولا تكون لها حقوقها المالية المنفصلة.
وقد حرصت مريم على أن تقوم بتعريف صديقاتها من النساء البلجيكيات كل هذه الأمور البديهية عن الإسلام ، وتصحيح معلوماتهن المغلوطة عنه.
وتطالب مريم بأن يكون الدعاة المسلمون الموفودون إلى أوربا متحلين بسعة الذهن والفكر، وقادرين على فهم نفسية الأوربي وتكوينه الاجتماعي، والعقلية التي يفكر بها وقبل هذا وبعده يجب على الداعية أن يكون قدوة بسلوكه الطيب وأخلاقه الرفيعة ، ليكون مؤهلًا لأن يقتدي به غيره .
وترى مريم أوربا مؤهلة لتكون حقلًا خصبًا للدعوة الإسلامية، فوسط ذلك الطوفان من الضياع الناتج عن اللهاث المادي وراء سراب الحياة ، تولد في نفوس شبابها ضياع لا حدود له، فالكثير منهم كاره للحياة ، كاره للكنيسة التي تخلت عن دورها في توجيه المجتمع ، وصار القساوسة يتسابقون للفوز بالمال أو أحد المناصب الكهنوتية. فالأوربي النصراني -
وإن تقدم علميًا وتقنيًا على الشرقي المسلم- إلا أنه متأخر كثيرًا روحيًا، وما تزال أرواح كثيرة تبحث عمن يهديها إلى طريق الله ، ولو وجد الدعاة المخلصون الفاهمون لنفسية الإنسان الغربي لاستطاعوا أن يضموا كل يوم عشرات من القلوب التي تهفو فطرتها التي خلقها عليها الله عز وجل ، لكنها لا تعرف طريق الخلاص ، والمطلوب مزيد من الدعاة المخلصين حتى نؤدي حقوق هؤلاء في أن يجدوا من يرشدهم إلى الإسلام
حِكَايَة الهِمْيَان
كان آذان الفجر يصعد من مآذن الحرم في مكة في أول يوم من رمضان سنة أربعين ومئتين للهجرة ، فيهبط على تلك الذرى المباركة قعيقعان وأبي قبيس ، فينساب مع نسيم البحر رخيا ناعشا، يسحب ذيوله على تلك الصخور التي كانت (محطة) بريد السماء ، ومنزل الوحي ، ومنبع رحمة الله للعالمين، حتى يمسح ستور الكعبة، فيتنزل على من في الحرم تنزل النفحات الإلهية على قلوب عباد الله المخلصين .
وكانت صفوف المؤمنين قائمة للصلاة تدور بالكعبة من جهاتها كلها، صفوف في الحرم ترى الكعبة وتنعم بالقرب منها ، وصفوف لا تراها ولكنها تتوجه إليها، وتبصرها بقلوبها، تقوم وراء الجبال الشم والبحار ، في المدن والقرى ، والصحاري والسهول ، والأودية والقمم ، والأكواخ ، والسجون و المغائر، في القفار المشتعلة حرا، و البطاح المغطاة بالثلج ... تتسلسل وتتعاقب لا تنقطع ما امتدت الأرض وكان فيها مسلمون.
وأم أهل مكة البيت الحرام، ولم يبق في داره إلا شيخ في السادسة والثمانين، عليه قميص مشدود بحبل، وقاموا للصلاة ما يستطيعون الوقوف مما حشدوا به بطونهم من طيبات الطعام ، من كل حلو وحامض ، وحار وبارد ، وسائل وجامد ، ووقف يصلي وما يستطيع القيام من الجوع ، فقد أمسك للصوم بلا سحور ، ونام ليلته البارحة بلا عشاء ، وأمضى أمسه من قبلها بلا غداء ...
فلما قضى صلاته قعد على محرابه منكسرا حزينا، وما كان يفكر في نفسه فلقد طال عهده بالفقر حتى ألفه، وهون إيمانه الدنيا عليه حق نسي نعيمها وازدراها، ولكنه كان يفكر في هذه البطون الجائعة من حوله وهو كاسبهاو معيلها، وهذه المناكب العارية … ولو كان في مكانه رجل آخر قاسى الذي قاساه ، و رأى الأغنياء يبذرون المال تبذيرا، و يضيع المئون الألوف بالباطل ، على حين يحتاج هو إلى الدانق فلا يجده .. لثار على الدنيا، وذم الزمان ، وحقد على الناس ، ولكنه كان رجلا مؤمنا، يوقن أن الناس لا يملكون عطاء ولا منعا، وأن ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك ، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك ، رفعت الأقلام و جفت الصحف.
قال: الحمد لله على كل حال؟وقام فنزع القميص ، و نادى: يالبابة. فجاءته امرأة متلفعة بخرقة قذرة، فدفع إليها بالقميص و أخذ الخرقة فالتف بها… فقالت المرأة: