الصفحة 60 من 3812

إعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم ، لأن الرجل إنما يكون منذرًا بذكر الوعد للمطيعين والوعيد للعاصين . فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات فجمع بين الوصفين وهذا دليل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان ، ويدخل في العمل الصالح أداء كل واجب وترك كل محظور ، ثم بين سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم . أما المغفرة فإما أن تكون عبارة عن غفران الصغائر ، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة ، أو عن غفرانها قبل التوبة ، والأولان واجبان عند الخصم ، وأداء الواجب لا يسمى غفرانًا ، فبقي الثالث وهو دلالته على العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة . وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب ، وكرمه يحتمل أن يكون للصفات السلبية ، وهو أن الإنسان هناك يستغني عن المكاسب وتحمل المشاق والذل فيها وارتكاب المآثم والدناءة بسببها ، وأن يكون للصفات الثبوتية ، وهو أن يكون رزقًا كثيرًا دائمًا خالصًا عن شوائب الضرر ، مقرونًا بالتعظيم والتبجيل . والأولى جعل الكريم دالًا على كل هذه الصفات ، فهذا شرح حال المؤمنين . وأما حال الكفار فقال: { والذين سَعَوْاْ فِى ءاياتنا معاجزين } والمراد اجتهدوا في ردها والتكذيب بها حيث سموها سحرًا وشعرًا وأساطير الأولين ، ويقال لمن بذل جهده في أمر: إنه سعى فيه توسعًا من حيث بلغ في بذل الجهد النهاية ، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال له سعى ، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازًا . قال صاحب «الكشاف» : يقال سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه ، أما المعاجز فيقال عاجزته ، أي طمعت في إعجازه ، واختلفوا في المراد ، هل معاجزين لله أو للرسول وللمؤمنين ، والأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه ويغلبونه ، ويصح منهم أن يظنوا ذلك في الرسول بالحيل والمكايد . أما الذين قالوا المراد معاجزين لله ، فقد ذكروا وجوهًا: أحدها: المراد بمعاجزين مغالبين مفوتين لربهم من عذابهم وحسابهم حيث جحدوا البعث وثانيها: أنهم يثبطون غيرهم عن التصديق بالله ويثبطونهم بسبب الترغيب والترهيب وثالثها: يعجزون الله بإدخال الشبه في قلوب الناس والجواب: عن الأول أن من جحد أصل الشيء لا يوصف بأنه مغالب لمن يفعل ذلك الشيء ، ومن تأول الآية على ذلك فيجب أن يكون مراده أنهم ظنوا مغالبة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يقوله من أمر الحشر والنشر والجواب: عن الثاني والثالث أن المغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة ، لا إلى الله تعالى .

أما قوله تعالى: { أولئك أصحاب الجحيم } فالمراد أنهم يدومون فيها وشبههم من حيث الدوام بالصاحب ، فإن قيل إنه عليه السلام في هذه الآية بشر المؤمنين أولًا وأنذر الكافرين ثانيًا ، فكان القياس أن يقال: قل يا أيها الناس إنما أنا لكم بشير ونذير ، قلنا الكلام مسوق إلى المشركين ، ويا أيها الناس نداء لهم ، وهم الذين قيل فيهم { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض } [ الحج: 46 ] ووصفوا بالاستعجال وإنما ألقى ذكر المؤمنين وثوابهم في البين زيادة لغيظهم وإيذائهم . (1)

مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

قال تعالى: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) ( النور) }

{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ } امتثلوا، كان حظكم وسعادتكم (1) وإن { تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ } من الرسالة، وقد أداها.

{ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ } من الطاعة، وقد بانت حالكم وظهرت، فبان ضلالكم وغيكم واستحقاقكم العذاب. { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } إلى الصراط المستقيم، [ ص 573 ] قولا وعملا فلا سبيل لكم إلى الهداية إلا بطاعته، وبدون ذلك، لا يمكن، بل هو محال.

{ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي: تبليغكم البين الذي لا يبقي لأحد شكا ولا شبهة، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، بلغ البلاغ المبين، وإنما الذي يحاسبكم ويجازيكم هو الله تعالى، فالرسول ليس له من الأمر شيء، وقد قام بوظيفته. (2)

اعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات ، وهو أبلغ في تبكيتهم { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم من الطاعة { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } أي تصيبوا الحق وإن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين ، والبلاغ بمعنى التبليغ ، والمبين الواضح ، والموضح لما بكم إليه الحاجة ، وعن نافع أنه قرأ { فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ } بفتح الحاء والتخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية . (3)

(1) - تفسير الرازي - (ج 11 / ص 131)

(2) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 572)

(3) - تفسير الرازي - (ج 11 / ص 362)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت