لقد كان المنافقون يقسمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لئن أمرهم بالخروج إلى القتال ليخرجن . والله يعلم إنهم لكاذبون . فهو يرد عليهم متهكمًا ، ساخرًا من أيمانهم: { قل: لا تقسموا . طاعة معروفة } . . لا تحلفوا فإن طاعتكم معروف أمرها ، مفروغ منها ، لا تحتاج إلى حلف أو توكيد! كما تقول لمن تعلم عليه الكذب وهو مشهور به: لا تحلف لي على صدقك . فهو مؤكد ثابت لا يحتاج إلى دليل .
ويعقب على التهكم الساخر بقوله: { إن الله خبير بما تعملون } . . فلا يحتاج إلى قسم ولا توكيد ، وقد علم أنكم لا تطيعون ولا تخرجون!
لهذا يعود فيأمرهم بالطاعة . الطاعة الحقيقية . لا طاعتهم تلك المعروفة المفهومة!
{ قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ..
{ فإن تولوا } وتعرضوا ، أو تنافقوا ولا تنفذوا { فإنما عليه ما حمل } من تبليغ الرسالة وقد قام به وأداه { وعليكم ما حملتم } وهو أن تطيعوا وتخلصوا . وقد نكصتم عنه ولم تؤدوه: { وإن تطيعوه تهتدوا } إلى المنهج القويم المؤدي إلى الفوز والفلاح . { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } فليس مسؤولًا عن إيمانكم ، وليس مقصرًا إذا أنتم توليتم . إنما أنتم المسؤولون المعاقبون بما توليتم وبما عصيتم وبما خالفتم عن أمر الله وأمر الرسول . (1)
وقال تعالى: { وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) ( العنكبوت) }
قال صاحب الكشاف: وهذه الآية - وهى قوله - تعالى - { وَإِن تُكَذِّبُواْ } والآيات التى بعدها إلى قوله: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ . . } محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم - صلوات الله عليه - لقومه ، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريش ، بين أول قصة إبراهيم وآخرها .
فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم ، فما المراد بالأمم من قبله؟ قلت: المرد بهم قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم ، وكفى بقوم نوح أمة في معنى أمم جَمة مكذبة .
وقال الإِمام ابن كثير: والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات ، من كلا إبراهيم الخليل - عليه السلام - يحتج عليهم لإِثبات المعاد ، لقوله بعد هذا كله: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } وقوله - سبحانه -: { وَإِن تُكَذِّبُواْ . . . } معطوف على محذوف ، والتقدير: إن تطيعونى - أيها الناس - فقد ونجوتم ، وإن تكذبونى فيما أخبرتكم به ، فلستم بدعا في ذلك ، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم ، فكانت عاقبة المكذبين خسرا .
ثم بين لهم إبراهيم - عليه السلام - وظيفة فقال: { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } أى: لقد بلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ، وتلك هى وظيفتى التى كلفنى بها ربى ، وليس على سواها ، أما الحساب والجزاء فمرده إلى الله تعالى وحده . (2)
وهكذا يأخذهم خطوة خطوة ، ويدخل إلى قلوبهم من مداخلها ، ويوقع على أوتارها في دقة عميقة ، وهذه الخطوات تعد نموذجًا لطريقة الدعوة جديرًا بأن يتملاه أصحاب كل دعوة ، لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب . (3)
صفات الذين لا يسمعون الآيات
قال تعالى: { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (81) ( النمل) }
لقد شبه - سحبانه - أولئك المشركين ، بالأموات الذين فقدوا الحياة ، وبالصم الذين فقدوا السمع ، وبالعمى الذين فقدوا البصر ، وذلك لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس ، فصاروا كالفاقدين لها .
أى: دم - أيها الرسو الكريم - على توكلك على الله - تعالى - وحده ، وإنك لا تستطيع أن تسمع هؤلاء المشركين . ما يردهم عن شركهم ، لأنهم كالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل ، ولأنهم كالصم الذين فقدوا نعمة السمع .
وقوله: { إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } لتتميم التشبيه . وتأكيد نفى السماع . أى: إذا أعرضوا عن الحق إعراضا تاما ، وأدبروا عن الاستماع إليك .
قال الجمل: فإن قلت: ما معنى قوله { مُدْبِرِينَ } والأصم لا يسمع سواء أقبل أو أدبر؟
قلت: هو تأكيد ومبالغة للأصم . وقيل: إن الأصم إذا كان حاضرا قد يسمع رفع الصوت ، أو يفهم بالإشارة ، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم .
ومعنى الآية: إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت ، الذى لا سبيل إلى إسماعه ، وكالأصم الذى با يسمع ولا يفهم .
وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضَلالَتِهِمْ . . } أى: وما أنت - أيها الرسول الكريم - بقادر على أن تصرف العمى عن طريق الضلال الذى انغمسوا فيه ، لأن الهداية إلى طريق الحق ، مردها إلى الله - تعالى - وحده .
ثم بين - سبحانه - في مقابل ذلك ، من هم أهل السماع والبصر فقال: { إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ } .
أى: أنت - أيها الرسول الكريم - ما تستطيع أن تسمع إسماعا مجديا نافعا ، إلا لمن يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، لأن هؤلاء هم المطيعون لأمرنا ، المسلمون وجوههم لنا .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 5 / ص 291)
(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3302)
(3) - في ظلال القرآن - (ج 5 / ص 457)