فهرس الكتاب
لم يركن البطل عمر المختار إلى الراحة، بل ظل يقاتل، وكيف لا يستمر في القتال وأمام عينيه صور الفظائع والانتهاكات وأصناف العذاب التي صبها الإيطاليون على شعبه، فقد قتلوا الآلاف، ومثلوا بالكثيرين، وهتكوا أعراض النساء، وألقوا في السجون أعدادًا عظيمة من الرجال والنساء، وأذلوا الشيوخ والأطفال، وحرقوا الزروع والثمار، فكان لابد من القتال حتى الموت أو النصر، وبعد أن انتشر القتال في كل أنحاء ليبيا، قرر عمر المختار الذهاب إلى مصر لمقابلة الأمير إدريس السنوسي ليتلقى منه التعليمات بشأن الجهاد.
وفي طريق عودته من مصر إلى برقة عن طريق السلوم أبلغ جواسيس الجيش الإيطالي رؤساءهم أن عمر المختار عبر الحدود الشرقية، فأعدوا له كمينًا للقبض عليه، وما إن ظهر عمر المختار ورفاقه حتى أطلق عليهم العدو مدافعهم الرشاشة، لكن المجاهدين استطاعوا التصدي لهم وانقضوا على القوة الإيطالية وأبادوها عن آخرها، ولمع اسم عمر المختار في سماء الجهاد.. عرفه الصغير والكبير كقائد بارع يتقن أساليب الكر والفر، وانضمت إليه القبائل المقيمة بالجبال، وتعاطف معه الشعب؛ فأمدوه بما يقدرون عليه من مؤن وأسلحة.
ولم يعرف المجاهد الكبير طعم الراحة، وحاول مشايخ قبيلته، ذات مرة منعه من الجهاد لكبر سنه، فقال لهم: (إن ما أسير فيه هو طريق الخير، ومن يبعدني عنه فهو عدو لي، ولا ينبغي لأحد أن ينهاني عنه) .. ولم تفلح مدافع الجيش الإيطالي في وقف هجمات عمر المختار ورفاقه، فحاولوا استمالته وشراءه بالمال، ووعدوه بحياة ناعمة هنيئة، لكنه رفض، وأخذ يدافع عن تراب وطنه بكل قوة وشراسة، وألحق بالإيطاليين خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، مما دفع (موسوليني) إلى تعيين المارشال (بادوليو) حاكمًا على (طرابلس وبرقة) وبمجيئه إلى ليبيا بدأت مرحلة جديدة من النضال في (برقة والجبل الأخضر) .
واتصل الحاكم الجديد بعمر المختار لإنهاء الخلاف، وقبل عمر بشروط فيها الكرامة والعزة لوطنه، لكن الإيطاليين حاولوا خداعه، وتأكد غدرهم عندما قامت الطائرات الإيطالية بإلقاء قذائفها على عمر المختار ورفاقه من المجاهدين، فبدأ النضال من جديد!!
اشتبك المجاهدون مع الإيطاليين في معركة كبيرة في أكتوبر عام 1930م، وقد عثر الإيطاليون بعد انتهائها على نظارة عمر المختار، كما عثروا على جواده المشهور مقتولًا في ميدان المعركة، فقال (جرازياني) نائب المارشال بادوليو متوعدًا: لقد أخذنا اليوم نظارة عمر المختار، وغدًا نأتي برأسه، وظل عمر المختار يقاومهم وهو متسلح بالإيمان حتى وقع البطل في الأسر؛ ففرحت إيطاليا كلها فرحًا شديدًا.
ودعيت المحكمة إلى الانعقاد، ونصبت المشنقة، وجاءوا بالبطل الكبير عمر المختار مقيد اليدين بالسلاسل والقيود، وحكموا عليه بالإعدام شنقًا في محاكمة صورية لم تستغرق سوى ساعة وربع الساعة، وكان الشيخ آنذاك في السبعين من عمره، وسار المجاهد الكبير إلى حبل المشنقة بقدم ثابتة وشجاعة نادرة، لا يتوقف لسانه عن ترديد الشهادتين؛ حتى نفذ فيه حكم الإعدام، وعندما وجدوا أنه لم يمت أعادوا شنقه مرة ثانية.
واستشهد البطل بعد أن غرس الحرية والكرامة في نفوس شعبه، وحقق الله ما نتمناه، فقد أشرقت شمس الحرية على ليبيا من جديد، ورحلت إيطاليا عنها، وحصلت على استقلالها 1951م ولا ينسى العالم الإسلامي عامة والشعب الليبي خاصة واحدًا من أبرز مجاهديها، بعدما ضحى بكل ما يملك في سبيل نصرة الإسلام، واستقلال وطنه
فعمر المختار هو: الشيخ المجاهد عمر بن مختار بن عمر المنفي: ينتمي إلى قبيلة مِنفة. التي تتنقل في بادية برقة، ولد عام 1275هـ في"البطنان"ببرقه، وتعلم في زاوية السنوسيين في"جغبوب"وجعله محمد المهدي الإدريسي شيخًا على زاوية"القصور"بالجبل الأخضر قرب"المرج"وسافر معه إلى السودان، وتسلم مشيخة زاوية"كلك"حتى عام 1321هـ، حيث رجع إلى برقه، وإلى مشيخة زاوية"القصور"، خرج لجهاد الطليان بعد أن احتلوا مدينة"بنغازي"عام 1329هـ، وصمد للعدو صمودًا منقطع النظير.
وبينما هو في سرية من رجاله تقدر بخمسين فارسًا بناحية"سلنطة"بالجبل الأخضر، يستطلع مواقع العدو فوجئ بقوة من الأعداء أحاطت به، فقاتلها، واستشهد أكثر من كان معه، وأصيب هو بجراح، وعقر جواده، فانقض عليه الطليان، وحملوه أسيرًا، وهم لا يعرفونه، وحمل إلى"سوسة"، ثم عرفوه، فنقلوه بطرادٍ إلى بنغازي، وسجن أربعة أيام، ثم حققوا معه، فكان مثال المسلم، وأجاب بصراحة ووضوح، ثم أعدم شنقًا في مركز"سلوق"ببنغازي، وذلك عام 1350هـ، فكان عمره خمسا وسبعين عامًا، ومع ذلك كان يجاهد على جواده، ويقوم بنفسه باستطلاع العدو رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته آمين. عن التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر ج 14 ص 23 .
العلماء والجهاد ( 3 ) عمر المختار
من التلاميذ النجباء الصادقين للإمام أحمد السنوسي ، الشيخ عمر المختار ، الذي سطع نوره ولمع نجمه في الانتصار الساحق الذي حققه الله تعالى على يده في المعركة ضد الاحتلال الإيطالي ، بعد أن تولى قيادة المجاهدين في برقة إثر انسحاب القائد عزيز المصري ، فشكل جيشًا وطنيًا جعل من خطته الدفاع والتربص بالعدو ، حتى إذا خرج الطليان من مراكزهم انقض المجاهدون عليهم فأوقعوا بهم شر مقتلة ، وغنموا منهم أسلابًا كثيرة أمدتهم في الحقيقة بأكثر الأسلحة والعتاد ودواب النقل ، مما كانوا في حاجة ملحة إليه جميعه ، وظل الحال على هذا المنوال حتى نشبت الحرب العالمية الأولى في أغسطس 1914م.