فهرس الكتاب
واستمرت المعارك بعد ذلك بينه - رحمه الله - وبين الأعداء ، وكتب الله تعالى له النصر والظفر كلما دخل معركة حتى أدخل تغييرًا على الموقف في برقة وأحيى آمال السنوسيين في القدرة على مواصلة الكفاح بنجاح ضد إيطاليا .
وفي يوم 11 سبتمبر 1931م وقع أسيرًا بيد الأعداء بعد أن جرح واستشهد من معه من المجاهدين .
وقال في كلمته التي خاطب بها الأعداء:"إن القبض عليَّ ووقوعي في قبضة الطليان إنما حدث تنفيذًا لإرادة المولى عز وجل ، وأنه وقد أصبحت الآن أسيرًا بأيدي الحكومة ، فالله سبحانه وتعالى وحده يتولى أمري ، وأما أنتم فلكم الآن وقد أخذتموني أن تفعلوا بي ما تشاؤون ، وليكن معلومًا أني ما كنت في يوم من الأيام لأسلم لكم طوعًا".
لله در هذه الروح الإيمانية العالية التي لم تعرف الخور ولا الجبن وأني للخور والجبن أن يدخلا في ذلك القلب الطاهر .
ثم حوكم على طريقة الكافر المستعمر ونصبت المشنقة قبل المحاكمة ، وأمام الجموع الغفيرة التي أُجبرت على الحضور .
نفذ في الشيخ عمر المختار حكم الإعدام ولسانه وقلبه وحاله يردد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله .
الذكرى السبعين لمقتل المجاهد عمر المختار
أقيم في ليبيا احتفال كبير بالذكرى السبعين لمصرع شيخ المجاهدين عمر المختار ، وأقيم الاحتفال في مدينة"سلوق"جنوبي مدينة بنغازي ، حيث نفذت فيها القوات الإيطالية حكم الإعدام شنقا .
وقد ألقى الرئيس القذافي خطابا تحدث فيه عن القيم والعبر الكبيرة التي نستخلصها من هذه الذكرى التي اقترفت فيها إيطاليا الاستعمارية عام 1931م ، هذه الجريمة في حق شيخ مسن كان يدافع عن حرية وعزة وطنه ، عبر محاكمة صورية عسكرية عقدت لفترة قصيرة جدا لم تتجاوز الساعة ، مما يؤكد أن الحكم بإعدام شيخ المجاهدين عمر المختار كان جاهزا .
وأكد القذافي أن الذكرى السبعين لمقتل عمر المختار فتحت الصفحة المأسوية من التاريخ ، وبينت الظلم والاستعمار والاستعباد .
وكان عمر المختار قد ولد في قرية (جنزور) بمنطقة (دفنة) عام 1376هـ الموافق 1858م قرب مدينة طبرق المرفأ البحري بالمنطقة الشرقية في الجماهيرية العربية الليبية.
وتوفى والده (المختار) ووالدته (عائشة) وهما في طريقها للأراضي المقدسة لآداء فريضة الحج ، وينتمي إلى قبيلة المنفى ، وهي إحدى القبائل الليبية بالمنطقة الشرقية
وقد نشأ عمر المختار نشأة إسلامية ، وتلقى دروسه الشرعية في كتاتيب قرية جنزور ، ثم زاوية الجغبوب ، إحدى الواحات الليبية المتاخمة للأراضي المصرية ، وقضى (8) سنوات في تحصيل العلوم الإسلامية ، عمل بعدها معلما لتحفيظ القرآن الكريم ، وتدريس العلوم الشرعية في عدة زوايا ، كما كان شيخا على زاوية القصور بمنطقة الجبل الأخضر ، لتعليم مبادئ الدين الإسلامي ، وتحفيظ القرآن الكريم .
وكان له دور مماثل في الأراضي السودانية ، ففي عام 1313هـ/1895م سافر عمر المختار إلى السودان ، حيث ساهم في تدريس العلوم الإسلامية وتحفيظ القرآن الكريم ، كما شارك في الجهاد ضد الفرنسيين في جنوب السودان الغربي ، وفي نيجيريا ، وحارب الإنجليز في مصر ، ثم رجع بعدها إلى ليبيا .
وفي عام 1911م عندما هاجمت القوات الإيطالية الغازية ليبيا ودخلت المدن الساحلية ، ومن بينها مدينة بنغازي نهض الشيخ مع المجاهدين الليبيين في كل بقعة من تراب الوطن للدفاع عن البلاد.
ورغم تقدم سن الشيخ عمر المختار (سبعون عاما) إلا أنه قاد حركة الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي في منطقة الجبل الأخضر ـ المنطقة الشرقية ـ وخاض مع رفاقه المجاهدين 236 معركة خلال عشرين شهرا ولم يتمكن الطليان من أسره حتى يوم 11/10/1931م ، حيث أسر عمر المختار أثناء معركة (بئر قندولة) التي استمرت 48 ساعة في منطقة الجبل الأخضر ، واقتيد الشيخ إلى مرسى مدينة (سوسة) وحمل على الطراد (أوسبني) حتى مدينة بنغازي .
وجاء قائد القوات الإيطالية الغازية غراسياني من إيطاليا لمحاكمته بمقر الحزب الفاشيستي الإيطالي في بنغازي .
وأصدرت المحكمة العسكرية الصورية حكمها بالاعدام شنقا ونفذت إيطاليا جريمتها النكراء في الشيخ في مدينة"سلوق"بعد أن جمعت أكبر عدد من الليبيين من الشيوخ والنساء والأطفال بالقوة لمشاهدة هذه الجريمة البشعة ، في حق شيخ مسن يدافع عن حرية وكرامة بلاده
وسقط الشيخ بعد أن سطر ورفاقه المجاهدين الليبيين صفحة بيضاء رائعة في تاريخ الجهاد العربي الإسلامي ، والكفاح والتضحية في سبيل الله .
وقد وقع هذا الخبر المحزن"إعدام الشيخ"، على أبناء الأمة العربية والإسلامية ، كالصاعقة فأبنه ورثاه الأدباء والكتاب والشعراء وغيرهم ، حيث رثاه أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدة طويلة تقول بعض أبياتها:
ركزوا رفاتك في الرمال لواء يستنهض الوادي صباح مساء
يا ويحهم نصبوا منارا من دم يوحي إلى جيل الغد البغضاء
ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد بين الشعوب مودة وإخاء
خيرت فأخترت المبيت على الطوى لم تبن جاها أو تلم ثراء
إن البطولة أن تموت من الظما ليس البطولة أن تعب الماء
كما سمي باسمه عدد من الشوارع والهيئات الخيرية في الوطن العربي والإسلامي ، منها على سبيل المثال شارع عمر المختار في مدينة غزة بفلسطين المحتلة ، التي تعيش اليوم شرف الجهاد الإسلامي المقدس .