فهرس الكتاب
ركب الأستاذ الزاهد السيارة معنا ، وفي الفندق تحدثنا عن قضايا المسلمين في هذه العصر ، وعن العروبة ، واليسار الإسلامي ، والعقلانية ، والتراث ، وغيرها من الآفاق التي طوفنا فيها ، وبعد أن أتعبنا الأستاذ"أنور الجندي"وأزعجناه قدم مدير الإنتاج له ظرفًا به مبلغ من المال وهو يقول:"معذرة يا أستاذ على التقصير ، المبلغ لا يليق بكم ؛ لكنه رمز لمحبتنا إياكم ، فنرجو أن تقبلوه مكافأة رمزية فقط".
-مكافأة ؟ أنا لا أعرف أن هناك مكافأة ، ولم أقل شيئًا يستحق أن أتقاضى عنه أجرًا .
· يا أستاذ: هذا مبلغ بسيط من الدولة ، وليس منة من جيب أحد ، وهو من حقك وليس تفضلًا
-لن آخذ شيئًا ؛ لأنني ظننت أن الحديث بلا مكافأة ، ولن أغير نيتي مهما كان الأمر .
· يا أستاذ .. هذا حقك .. نرجوك .
-لن آخذ قرشًا واحدًا .. اسمحوا لي بالانصراف .
وأوصلناه ونحن في حياء منه ، ومن تواضعه وورعه ، ونحن - أيضًا- في خجل من أنفسنا، وحرصناعلى الراحة و ( الكشخة ) .
كان هذا منذ أكثر من عشر سنين .. وأنور الجندي ليس مجهول المكان ، فكتبه تخرج تترى ، ومقالاته تملأ المجلات الإسلامية والحال هو الحال .
إنه الداء الوبيل في الإسلاميين .. وواحسرتا عليهم !!
لقد أذنب أنور الجندي ذنبا فظيعا لا يغتفر .. أنه عفيف ، قار في بيته .. لا يطرق الأبواب ، ولا يزاحم الأتراب ، ولا يهمه أن يقال حضر أو غاب !
كما كان أكبر ذنوب أنور الجندي أنه مستقل في تفكيره ، غير منتم لتيار ، ولا منضو تحت لافتة ، فاللافتات - في العمل الإسلامي - تطرد دائمًا من لا يصفق لها ، وتعتبره مجذومًا أو مريضًا بالإيدز ؛ لا يُقترب منه ولا يُتعامل معه ، بل ربما أساءت إليه ، وحقرت من شأنه ، باسم مصلحة الدعوة أو اختلافًا على فرعية من الفروعيات .
أزعم أن أنور الجندي لو علق ( بادجا ) على صدره لكان له شأن آخر ، ولوجد من يدعوه في المناسبات ، ويقدمه في الاحتفالات ، ويثني عليه غائبًا وحاضرًا .
وأزعم أن هناك (عيال ) جهالًا ، لا وزن لهم من علم أو سنّ أو دعوة ، لكنهم منتمون .. فصاروا بذلك ( لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ..
ناهيك عن أن يكون واحدًا من المستنيرين أو الذين كانوا - زمان - رفاقًا مناضلين - دستور - فهؤلاء تفتح لهم صالات كبار الشخصيات ، وأبواب الجامعات ، وتسود عنهم الصحف ، وتكتب المجلدات عن عبقريتهم ، وتميزهم ، وإبداعهم ، وتستر عوراتهم التي يعرونها دون خجل أو حياء ، فكشف العورات إبداع أيضًا عند ( ولاد الحمرة ) .
إنها قضية موازين مختلفة ، ومفاهيم مقلوبة ، وحيف في التقدير ، ووضع للرؤوس موضع الأقدام .
ولعل من المناسب هنا التذكير بكلمة المصطفى صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يوقر كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه !!
فمتى تعرفين يا أمة اقرأ ؟ متى تعرفين ؟!
القرضاوي يرثي أنور الجندي رحمه الله
== رحيل راهب الثقافة والفكر ومعلم الشباب
== كان جنديا من جنود الله ينشر النور
علمت أن الكاتب الإسلامي المرموق الاستاذ أنور الجندي قد وافاه الأجل المحتوم وانتقل إلى جوار ربه منذ يوم الاثنين الماضي 28/1/2002 بلغني ذلك أحد اخواني فقلت: يا سبحان الله يموت مثل هذا الكاتب الكبير المعروف بغزارة الإنتاج وبالتفرغ الكامل للكتابة والعلم ، والذي سخر قلمه لخدمة الاسلام وثقافته وحضارته ودعوته وأمته أكثر من نصف قرن ، ولا يعرف موته إلا بعد عدة أيام ، لا تكتب عنه صحيفة ، ولا تتحدث عنه إذاعة ، ولا يعرف به تلفاز !!
كأن الرجل لم يخلف وراءه ثروة طائلة من الكتب والموسوعات في مختلف آفاق الثقافة العربية والاسلامية ، وقد كان عضوا عاملا بالمجلس الأعلى للشؤون الاسلامية بالقاهرة ، ومن أوائل الاعضاء في نقابة الصحفيين وقد حصل على جائزة الدولة التقديرية سنة 1960.
لو كان أنور الجندي مطربا أو ممثلا لامتلأت انهار الصحف بالحديث عنه والتنويه بشأنه والثناء على منجزاته الفنية. ولو كان لاعب كرة لتحدثت عنه الاوساط الرياضية وغير الرياضية وكيف خسرت الرياضة بموته فارسا من فرسانها ، بل كيف خسرت الأمة كلها بموته نجما من نجومها ؛ ذلك ان أمتنا تؤمن بعبقرية (القدم) ولا تؤمن بعبقرية (القلم) .
مسكين أنور الجندي لقد ظلمته أمته ميتا كما ظلمته حيا، فلم يكن الرجل ممن يسعون للظهور وتسليط الأضواء عليه كما يفعل الكثيرون من عشاق الأضواء الباهرة بل عاش الرجل عمره راهبا في صومعة العلم والثقافة ، يقرأ ويكتب ولا يبتغي من احد جزاء ولا شكورا ، كأنما يقول ما قال رسل الله الكرام: وما اسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين .
منذ كنت طالبا في القسم الثانوي بالأزهر، وأنا اقرأ لانور الجندي في القضايا الإسلامية المختلفة، ومن أوائل ما قرأت له: كتاب بعنوان « كفاح الذبيحين فلسطين والمغرب » وكتاب عن « قائد الدعوة » يعني: حسن البنا الذي طوره فيما بعد وامسى كتابا كبيرا في حوالي ستمائة صفحة سماه: « حسن البنا: الداعية المجدد والامام الشهيد » وقد طبعته دار القلم بدمشق عدة طبعات ، في سلسلتها « اعلام المسلمين » وافتتحت به سلسلتها .. وكان حسن البنا هو الذي دفعه إلى الكتابة، فقد كان في رحلة حج معه وطلب منه ان يكتب خاطرة فقرأها، فأعجبته فشجعه ، واثنى على قلمه، وحرضه على الاستمرار في الكتابة.
وكان من كتبه الاولى « اخرجوا من بلادنا » يخاطب الانجليز المحتلين، وقد علمت ان الكتاب كان سببا في سجنه واعتقاله لعدة ايام في عهد الملك فاروق ثم افرج عنه .