الصفحة 627 من 3812

وللاستاذ انور الجندي كتب كثيرة تقارب المائة كتاب، بعضها موسوعات ، مثل كتابه « مقدمات المناهج والعلوم » الذي نشرته «دار الانصار» بالقاهرة بلغت مجلداته عشرة من القطع الكبير. وموسوعته «في دائرة الضوء» قالوا: انها من خمسين جزءا. ومن اهم كتبه: أسلمة المعرفة، نقد مناهج الغرب، اخطاء المنهج الغربي الوافد، الضربات التي وجهت للأمة الاسلامية، اليقظة الاسلامية في مواجهة الاستعمار، تاريخ الصحافة الاسلامية، وكان آخر ما نشره كتاب « نجم الاسلام لا يزال يصعد » .

كان الاستاذ أنور الجندي يميل في كتاباته إلى التسهيل والتبسيط ، وتقريب الثقافة العامة لجمهور المتعاملين دون تقعر أو تفيهق او جنوح إلى الاغراب والتعقيد فكان اسلوبه سهلا واضحا مشرقا. وكان الاستاذ الجندي لا يميل إلى التحقيق والتوثيق العلمي ، فلم تكن هذه مهمته ، ولم يكن هذا شأنه ولذلك لا ينبغي ان يؤخذ عليه انه لا يذكر مراجع ما ينقله من معلومات ، ولا يوثقها ادنى توثيق ، فانه لم يلتزم بذلك ولم يدعه ، وكل انسان يحاسب على المنهج الذي ارتضاه لنفسه، هل وفى به واعطاه حقه أو لا ؟

أما لماذا لم يأخذ بالمنهج العلمي ، ألعجز منه أو لكسل، أو لرؤية خاصة تبناها وسار على نهجها؟

يبدو ان هذا الاحتمال الأخير هو الاقرب ، وذلك انه لم يكن يكتب للعلماء والمتخصصين ، بل كان اكثر ما يكتبه للشباب، حتى انه حين كتب موسوعته الاسلامية التي سماها ( معلمة الاسلام ) وجمع فيها 99 مصطلحا في مختلف ابواب الثقافة والحضارة والعلوم والفنون والاداب والشرائع ، جعل عنوان مقدمة هذه المعلمة (إلى شباب الاسلام) وقال في بدايتها: الحديث في هذه المعلمة موجه إلى شباب الاسلام والعرب ، فهم عدة الوطن الكبير، وجيل الغد الحافل بمسؤولياته وتبعاته، وهم الذين سوف يحملون امانة الدفاع عن هذه العقيدة في مواجهة الاخطار التي تحيط بها من كل جانب ، فمن حقهم على جيلنا ان يقدم لهم خلاصة ما وصل إليه من فكر وتجربة.. وان نعبد لهم الطريق الى الغاية المرتجاة.. هذه مسؤوليتنا ازاءهم ، فاذا لم نقم بها كنا آثمين ، وكان علينا تبعة التقصير. أ.هـ

واعتقد ان كتبه قد آتت اكلها في تثقيف الشباب المسلم، وتحصينهم من الهجمات الثقافية الغربية المادية والعلمانية التي لا ترضى إلا بان تقتلعهم من جذورهم واصالتهم.

كان الاستاذ الجندي زاهدا في الدنيا وزخرفها، قانعا بالقليل من الرزق، راضيا بما قسم الله له، لا يطمع ان يكون له قصر ولا سيارة، حسبه ان يعيش مكتفيا مستورا، وكان بهذا من اغنى الناس ، كان كما قال علي كرم الله وجهه:

يعز غني النفس إن قل ماله ويغنى غني المال وهو ذليل

وكما قال أبو فراس:

ان الغني هو الغني بنفسه ولو انه عاري المناكب حاف

ما كل ما فوق البسيطة كافيا واذا قنعت فبعض شيء كاف

وكان إربه من الدنيا محدودا ، فليس له من الأولاد الا ابنة واحدة تعلمت في الأزهر ، وحصلت على أجازة ليسانس في الدراسات الإسلامية من جامعة الأزهر وكانت رغباته تنحصر في ان يقرأ ويكتب وينشر ما يكتب ، كما سئل احد علماء السلف: فيم سعادتك ؟ قال: في حجة تتبختر اتضاحا ، وشبهة تتضاءل افتضاحا.

حكى الأخ الأديب الداعية الشيخ عبدالسلام البسيوني أنه ذهب إلى القاهرة مع فريق من تليفزيون قطر ليجري حوارا مع عدد من العلماء والدعاة كان الأستاذ أنور منهم او في طليعتهم، ولم يجد في منزله الذي يسكنه مكانا يصلح للتصوير فيه فقد كان في حي شعبي مليء بالضجيج ، وكان المنزل ضيقا مشغولا بالكتب في كل مكان فاقترح عليه ان يجري الحوار معه في الفندق، وبعد ان انتهى الحوار تقدم مدير الإنتاج بمبلغ من المال يقول له: نرجو يا أستاذ ان تقبل هذا المبلغ الرمزي مكافأة منا وان كان دون ما تستحق، فإذا بالرجل يرفض رفضا حاسما ويقول: انا قابلتكم ، وليس في نيتي ان آخذ مكافأة ولست مستعدا أن أغير نيتي ولم أقدم شيئا يستحق المكافأة. قالوا له: هذا ليس من جيوبنا انه من الدولة، وأصر الرجل على موقفه، وأبى ان يأخذ فلسا!

وكان الاستاذ الجندي يكتب مقالات في مجلة منار الإسلام في أبو ظبي وفوجئ القراء يوما بإعلان في المجلة يناشد الأستاذ أنور الجندي أن يبعث إلى إدارة المجلة بعنوانه لترسل إليه مستحقات له تأخرت لديها، ومعنى هذا انه لا يطلب ما يستحق ، ناهيك أن يلح في الطلب كالآخرين.

كان رجلا ربانيا، ومن دلائل ربانيته ما ذكرته ابنته عنه انه كان يحب ان يكون متوضئا دائما فيأكل وهو متوضئ ، ويكتب وهو متوضئ ، وكان ينام بعد العشاء ، ثم يستيقظ قبل الفجر ليصلي التهجد ، ويصلي الفجر ، ثم ينام ساعتين بعد الفجر ويقوم ليقضي بعض حاجات البيت بنفسه ..

كان الأستاذ أنور الجندي يخدم الجيران ويملأ لهم (جرادل) الماء إذا انقطع الماء ، ويضعها أمام شققهم . وكان له من اسمه نصيب أي نصيب فكانت حياته وعطاؤه وإنتاجه تدور حول محورين: النور - او التنوير - والجندية. فقد ظل منذ امسك بالقلم يحمل مشعل (النور) او (التنوير) للامة ، وانا اقصد هنا: التنوير الحقيقي لا (التزوير) الذي يسمونه (التنوير) . فالتنوير الحقيقي هو الذي يرد الأمة الى النور الحق الذي هو أصل كل نور وهو نور الله تعالى ممد الكون كله بالنور ، وممد قلوب المؤمنين بالنور: نور الفطرة والعقل، ونور الإيمان والوحي ( نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت