فهرس الكتاب
وكان اهم معالم هذا التنوير: مقاومة التغريب والغزو الفكري الذي يسلخ الامة من جلدها ، ويحاول تغيير وجهتها وتبديل هويتها والغاء صبغتها الربانية ( صبغة الله ومن احسن من الله صبغة ) وكان واقفا بالمرصاد لكل دعاة التغريب يكشف زيفهم ويهتك سترهم - وان بلغوا من المكانة ما بلغوا - حتى رد على طه حسين ، وغيره من اصحاب السلطان الادبي والسياسي .
قال الجندي يوما عن نفسه: «انا محام في قضية الحكم بكتاب الله ، ما زلت موكلا فيها منذ بضع واربعين سنة ، حيث اعد لها الدفوع ، واقدم المذكرات بتكليف بعقد وبيعة الى الحق تبارك وتعالى ، وعهد على بيع النفس لله . والجنة - سلعة الله الغالية - هي الثمن لهذا التكليف ( ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة ) » .
كان النوروالتنوير غايته ورسالته ، وكانت الجندية وظيفته ووسيلته . لقد عاش في هذه الحياة (جنديا) لفكرته ورسالته فلم يكن جندي منفعة وغنيمة ، بل كان جندي عقيدة وفكرة. لم يجر خلف بريق الشهرة ولم يسع لكسب المال والثروة او الجاه والمنزلة ، وانما كان اكبر همه ان يعمل في هدوء ، وان ينتج في صمت ، والا يبحث عن الضجيج والفرقعات ، تاركا هذه لمن يريدونها ويلهثون وراءها.
كان الاستاذ الجندي من « الاخوان المسلمين » من قديم وممن رافق الامام البنا مبكرا وممن كتبوا في مجلات الاخوان في الاربعينيات من القرن العشرين ولكن الله تبارك وتعالى نجاه من كروب المحن التي حاقت بالاخوان قبل ثورة يوليو وما بعدها ، فلم يدخل معتقل الطور ايام النقراشي وعبدالهادي ولم يدخل السجن الحربي ايام عبدالناصر ،بل حصل على جائزة الدولة التقديرية في عهده على حين لم ينلها احد ممن كانت له صلة بالاخوان .
وربما كانت طبيعته الهادئة ، وعمله الصامت ، وادبه الجم وتواضعه العجيب ، وبعده عن النشاط العلني في تنظيم الاخوان ، سببا في نجاته من هذه المعتقلات ، خصوصا في عهد الثورة .
كتب الاستاذ انور الجندي في فترة المحنة في عهد عبدالناصر في بعض المجلات غير الاسلامية تراجم لقادة التحرر والثورة من ذوي التوجه الديني - امثال عمر المختار في ليبيا ، وعبدالكريم الخطابي في المغرب ، وذلك في مجلة (المجتمع العربي) المصرية في فترة الخمسينيات والستينيات . ويقول عن هذه الفترة: ( لقد كان ايماني ان يكون هناك صوت متصل - وان لم يكن مرتفعا بالقدر الكافي - ليقول كلمة الاسلام- ولو تحت اي اسم آخر - ولم يكن مطلوبا من اصحاب الدعوات ان يصمتوا جميعا وراء الاسوار ) .
في اواخر الثمانينيات من القرن العشرين سعدت بلقاء الاستاذ الجندي في الجزائر العاصمة في احد ملتقيات الفكر الاسلامي وهي اول مرة ألقاه وجها لوجه - بعد ان كنت رأيته مرة بالمركز العام للاخوان مع الاستاذ البنا سنة 1947م على ما اذكر - فوجدته رجلا مخلصا ، متواضعا ، خافض الجناح ، ظاهر الصلاح نير الاصباح .
وقد ارسلنا منظمو الملتقى الى احد المساجد في ضواحي العاصمة هو وانا ، وأردت ان اقدمه ليتحدث اولا ، فأبى بشدة ، وألقيت كلمتي ثم قدمته للناس بما يليق به ، فسر بذلك سرورا بالغا.
وبعد حديثه في هذه الضاحية تحدثت معه: لماذا لا يظهر للناس ، ويتحدث اليهم بما افاء الله عليه من علم وثقافة؟ فقال: انا رجل صنعتي القلم ولا احسن الخطابة والحديث الى الناس ، فأنا لم اتعود مواجهة الجمهور ، وانما عشت اواجه الكتب والمكتبة. وليس كل الناس مثلك ومثل الشيخ الغزالي ممن آتاهم الله موهبة الكتابة وموهبة الخطابة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . فقلت له:
ولكن من حق جمهور المسلمين ان ينتفعوا بثمرات قلمك ، وقراءاتك المتنوعة ، فتضيف اليهم جديدا وتعطيهم مزيدا. فقال: كل ميسر لما خلق له.
وفي السنوات الاخيرة حين وهن العظم منه ، وتراكمت عليه متاعب السنين وزاد من متاعبه وآلامه في شيخوخته ما رآه من صدود ونسيان من المجتمع من حوله كأنما لم يقض حياته في خدمة امته ، ولم يذب شموع عمره في احيائها وتجديد شبابها وكأنما لم يجعل من نفسه حارسا لهويتها وثقافتها، مدافعا عن اصالتها امام هجمات القوى المعادية غربية وشرقية ليبرالية وماركسية.
عاش الاستاذ الجندي سنواته الاخيرة جليس بيته ،وطريح فراشه يشكو بثه وحزنه الى الله كما شكا يعقوب عليه السلام يشكو من سقم جسمه ويشكو اكثر من صنيع قومه معه ، الذين كثيرا ما قدموا النكرات ، ومنحوا العطايا للإمعات ، كما يشكو من إعراض اخوانه الذين نسوه في ساعة العسرة وايام الازمة والشدة ، والذين حرم ودهم وبرهم احوج ما كان اليه ، مرددا قول علي رضي الله عنه ، فيما نسب اليه من شعر:
ولا خير في ود امرئ متلون اذا الريح مالت مال حيث تميل
جواد اذا استغنيت عن اخذ ماله وعند زوال المال عنك بخيل
فما اكثر الاخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل
ومنذ اشهر قلائل اتصلت بي ابنته الوحيدة من القاهرة ، وابلغتني تحيات والدها الذي اقعده المرض عن الحركة، وهو يعيش وحيدا لا يكاد يراه احد او يسأل عنه احد برغم عطائه الموصول طول عمره لدينه ووطنه وامته العربية والاسلامية . وكانت كلماتها كأنها سهام حادة ، اخترقت صدري ، واصابت صميم قلبي ، وطلبت منها ان تبلغه اعطر تحياتي ، وابلغ تمنياتي ، واخلص دعواتي له بالصحة والعافية، وعزمت زيارته في اول فرصة انزل فيها الى مصر باذن الله .
وشاء الله جلت حكمته ان يتوفاه اليه قبل ان تتحقق هذه الزيارة وان يلقى ربه - ان شاء الله - راضيا مرضيا.
( يايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) .