الصفحة 644 من 3812

وعلى الرغم من كل المكائد والعراقيل فقد مضى أربكان في قيادة التيار الإسلامي من فوز إلى فوز، فقد تمكَّن حزب الرفاه رغم مرور سنوات قليلة على تأسيسه من الحصول على (185) مقعدًا في الانتخابات النيابية التي جرت في شهر كانون الأول- ديسمبر من عام 1996 ، ليصبح الحزب الأكبر في البرلمان التركي وعلى الساحة السياسية التركية، حيث حصل حزب الطريق القويم على (135) مقعدًا، وحصل حزب الوطن الأم على (133) مقعدًا، وحصل اليسار الديمقراطي على (75) مقعدًا وتوزعت المقاعد المتبقية وعددها (49) مقعدًا على أحزاب أخرى وعلى المستقلين.

وبعد هذا الفوز الكاسح الذي حققه حزب"الرفاه"في الانتخابات، وبعد كل تلك السنوات العجاف الطوال من المعاناة التي كابدها الإسلاميون في تركيا، تسلَّم البروفيسور أربكان في 8-6-1996م تكليفًا خطيًا من رئيس الجمهورية التركية سليمان ديميريل لتشكيل حكومة جديدة يقودها الإسلاميون لأول مرة منذ الانقلاب الأتاتوركي، حيث شكَّل أربكان حكومة ائتلافية برئاسته بشراكةٍ مع حزب الطريق القويم بزعامة السيدة تانسو شيلر.

وكان ذلك بمثابة صاعقة نزلت على رؤوس العلمانيين والماسونيين الأتراك في داخل تركيا، وعلى رؤوس القوى المناهضة لهوية تركيا الإسلامية من أمريكان وصهاينة في خارج تركيا، ولم يكن غريبًا أن تعمد القوى المعادية لهوية تركيا الإسلامية في داخل تركيا وخارجها إلى مواجهة الإعصار السياسي الذي يتهدد كل مخططاتها لإبقاء تركيا بعيدة عن جذورها الإسلامية وإلى تصعيد تآمرها على حزب الرفاه وعلى زعيمه أربكان، فشنَّت الصحافة التركية العلمانية والماسونية حملة تشويهٍ وتحريضٍ لم تشهد لها تركيا مثيلًا من قبل ضد الحزب وزعيمه، وساندتها وسائل الإعلام العالمية المتصهينة.

العلمانيون يغلقون حزب الرفاه.. والإسلاميون يشكِّلون الفضيلة:

لم تؤت هذه الحملات أكلها كما يشتهي العلمانيون والماسونيون الأتراك وكما تشتهي الصهيونية العالمية وحلفاؤهم، فتحرك جنرالات المؤسسة العسكرية التركية التي تعتبر نفسها حامية للعلمانية التي فرضها أتاتورك قسرًا على تركيا من خلال مجلس الأمن القومي الذي كان قد تشكَّل في أعقاب انقلاب الجنرال جمال غورسيل في عام 1961م.

وكان هذا المجلس قد أطاح بحكومة عدنان مندريس آنذاك، فوجه المجلس الذي يسيطر عليه العسكريون رسالة في 28-2-1997م تحمل عباراتها التي صيغت بها لهجة الإنذار والوعيد لرئيس الوزراء أربكان الذي هو عضو في المجلس، تطلب منه تنفيذ عدد من الإجراءات الموجهة ضد نشاطات إسلامية، وضد مظاهر إسلامية كارتداء الحجاب، وضد مؤسسات إسلامية كمدارس الأئمة والخطباء ومعاهد تحفيظ القرآن الكريم.

ومن اللافت للنظر أن يتزامن الإنذار الذي وجهه مجلس الأمن القومي لأربكان مع وجود رئيس هيئة أركان الجيش التركي الجنرال إسماعيل حقي قرضاي في الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين بزيارة رسمية ومعلنة.

وشهدت الأيام التي تلت إنذار جنرالات العلمانية لأربكان حالة من التوتر أربكت الساحة السياسية في تركيا، وزاد من حالة التوتُّر تصعيد جنرالات العلمانية لتهديداتهم ضد أربكان، وكانت الصحافة المتصهينة من علمانية وماسونية تصب البنزين على نيران حالة التوتر وتكتظ صفحاتها الأولى بالعناوين المثيرة كهذه العناوين التي أقدمها كنموذج:

-"الجنرالات يرفعون البطاقة الصفراء في وجه أربكان" (3-3-1997م) ...!

-"الجيش التركي يستعرض عضلاته في إحدى ضواحي أنقرة التي كانت قد شهدت مظاهرة ضد (إسرائيل..) " (5-3-1997م) .

-"رئاسة الأركان تؤكد أنها لن تنسجم إلا مع حكومة علمانية" (4-3-1997م) .

-"الشرطة تغلق (18) مركزًا للتعليم الإسلامي" (29-4-1997م) .

-"الجنرال كنعان دينتير يقول: تحطيم الأصولية الإسلامية في تركيا مسألة حياة أو موت بالنسبة إلينا" (30-4-1997م) .

-"الجنرالات غير راضين عن الحكومة الإسلامية" (26-4-1997م) .

-"مجلس الأمن التركي يتحدَّى أربكان بإصدار تقرير (70 صفحة) عن خطر الرجعية في تركيا على العلمانية" (1-3-1997م) .

-"تركيا تواجه إمكانية وقوع انقلاب عسكري لطرد الإسلاميين من الحكم" (13-6-1997م) .

-"الجيش يصدر لائحة سوداء بأسماء (600) مؤسسة صناعية وتجارية ويدعو الحكومة والشعب لمقاطعتها لأن الأصوليين يديرونها" (8-6-1997م) .

-"الجيش يتَّهم حزب الرفاه علنًا بدعم الأصولية وبالتحريض ضد العلمانية" (12-6-1997م) .

-"محكمة عسكرية تأمر بتوقيف ثلاثة من مرافقي أربكان" (14-6-1997م) .

-"الجيش يهدد باللجوء إلى السلاح لإزالة الخطر الأصولي على العلمانية" (12-6-1997م) .

-"الإنذار الأخير من مجلس الأمن القومي لأربكان" (1-6-1997م) .

-"تنامي قوة الرفاه تهديد للعلمانية" (4-9-1997م) .

وعلى الجانب المقابل كان أربكان وحزب الرفاه يتصدُّون لحملات التهديد والوعيد، ففي تصريح أدلى به أربكان في 11-2-1997م وفسَّره المراقبون على أنه بمثابة رسالة تحدٍ لجنرالات العلمانية أكد أربكان عزم حكومته على بناء مسجد ضخم في ميدان"التقسيم"في إسطنبول حيث ينتصب أكبر تمثال لمصطفى كمال، وبناء مسجد آخر في أنقرة في منطقة"شانكايا"التي تحتضن مقار مؤسسات الجمهورية العلمانية الرسمية.

وبعد صدور إنذار جنرالات العلمانية بأيام أكَّد أربكان للصحافة أن العلمانية لا تعني قلَّة الدين.. في لفتة إيحائية ترمز إلى رفضه مطالب الجنرالات التي كانت موجهة ضد المؤسسات والنشاطات الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت