فهرس الكتاب
ورغم أن الإسلام دخل هذه المنطقة منذ مئات السنين ، إلا أنه لم يكن يتجاوز حدود الدعاية للسلاطين وتبرير تصرفاتهم من خلال وعاظهم والسحرة والمشعوذين ، وإن كانت هناك بعض الممارسات الدينية كالعبادات وقراءة القرآن الكريم وتقبل العطاءات باعتبارها وسيلة لبلوغ الحوائج ، ولعل بعض المسلمين كانوا يجدون في بضع الطرق الصوفية ملاذًا مشوهًا للتدين.
مرحلة الجهاد القولي:
في مثل هذه الأوضاع الدينية والسياسية ، بدأ الشيخ ابن فوديو دعوته ، حيث أخذ على عاتقه مهمة تحرير شعبه من سيادة الأفكار الجاهلية المتخلفة ، ومن سيطرة السلاطين الجبابرة: الأمر الذي أفضى إلى إقامة دولة إسلامية استمرت أكثر من مائة سنة في تلك البلاد البعيدة عن مركز الدولة الإسلامية دون أي تدخل خارجي.
لقد بدأ (الشيخ) دعوته بما أسماه في أدبياته (الجهاد القولي) الذي قام على النصح والإرشاد ورفع المستوى التعليمي ومستوى الوعي الاجتماعي العام لدى الناس ، حيث أرسل رسائل إلى كل فئات المجتمع يدعوها إلى الله ، موضحًا أهمية الإسلام في إحياء الأمة وخلاصها من مشاكلها الواقعية التي تعيشها.
وقد ركز في أسلوب دعوته خلال هذه المرحلة على استخدام عنصرين مهمين:
أولهما التركيز على موضوع المرأة في النموذج الإسلامي ، والفرق بينهما وبين المرأة في النموذج الجاهلي المتخلف ، مستفيدًا من مساهمة الكثير من السيدات المسلمات في حركة النهضة التي قادها الشيخ ، وهي القضية التي أظهرت تحديًا كبيرًا للأفكار السائدة من خلال دعوة المرأة إلى التحرر من الاستعباد الحقيقي الذي تعيشه في ظل الوضع السائد.
وثانيهما اعتماده على استخدام الشعر والموشحات الدينية بالطريقة الشعبية المعروفة في تلك البلاد والمحببة إلى القلوب ، وفي هذا المجال كان مبدعًا في تأليف كمية كبيرة من القصائد والموشحات ذات المضمون الأخلاقي والعلمي والإرشادي باللغات المحلية ، وقد كانت هذه القصائد تنتقل من ألسنة الدعاة إلى ألسنة العامة. وما زال كثير منها محفوظًا حتى اليوم ، خاصة إذا علمنا أن الثقافة الإفريقية تنتقل عن طريق الحفظ والرواية لا عن طريق الكتابة والتدوين.
وقد استمرت هذه المرحلة من عام 1774 حتى 1803 أي حوالي 30 سنة من الدعوة والبناء السليم لحركة الدعاة والمبلغين والتحدي الأخلاقي والفكري والاجتماعي للمجتمع القائم ، دون اللجوء إلى أسلوب المواجهة المباشرة ، بل عرف عنه في تلك المرحلة تشديده على الدعاة بعدم الدخول في صدام مع القوى المسيطرة وقد ألف في هذه المرحلة الكثير من المؤلفات الهادفة والدراسات القيمة.
وكان ينتقل بين المدن والقرى بنفسه وانتهت هذه المرحلة بتأسيس المجموعة الأساسية من الأتباع أو من أسماهم بالطلبة بهدف نشر الصورة الصحيحة للإسلام وتقديم النموذج الأرقى للدين القويم ، وفضح علماء السوء الذين كانوا يرون المنكر ولا يغيرونه بأي شكل من أشكال التغيير المتاحة.
بناء الدولة المسلمة:
وبهذا المنهج الدعوي السليم آتت دعوة الشيخ الطيبة ثمارها اليانعة ، حيث بدأ المواطنون يعلنون رفضهم للأوامر التي تتنافى مع تعاليم الإسلام ، خاصة في أوساط الشباب الذين أدركوا أن الصراعات القائمة في مجتمعهم إنما تعود أسبابها إلى السرقة والتعدي ونهب المحاصيل أو الثروات الحيوانية ، حتى الفتيات بدأن يرفضن ما يؤمرن به إذا كان منافيًا لأحكام الدين الحنيف ، مما دفع ملك المنطقة إلى المطالبة بمغادرة (الشيخ) خوفًا من أن يسحب البساط من تحت قدميه ، غير أن (الشيخ) كان قد اتخذ قراره بالهجرة مع مجموعته كلها ، وأصدر فتوى في ذلك أذيعت في مختلف الأمصار ، وما إن انتقلت الأخبار إلى المدن المجاورة ، حتى تجمع المؤمنون من كافة أنحاء البلاد لبناء مجتمع قائم على الحكم الإسلامي.
استمرت هذه المرحلة إلى عام 1808 وتوطدت خلالها دعائم الحكم الإسلامي ، حيث وضع نظامًا إداريًا متقدمًا مستمدا من النظم الإسلامية ووحد البلاد تحت راية واحدة وجعل اللغة العربية لغة الدولة الرسمية ، واستمرت هذه الدولة حوالي مائة سنة حتى دخول الاستعمار البريطاني إلى تلك المنطقة ، حيث قرر الملك الآنف الذكر أن يجهز جيشًا لمقاتلة المجموعة المؤمنة ، فالتقى الجيشان وانتهت المعركة بنصر جيش المسلمين ، فكانت هذه المعركة جولة حاسمة انهار على أثرها الكثير من الجيوش والممالك الصغيرة بالقتال أو الترهيب ، وفي هذه المرحلة التي عرفت بمرحلة الجهاد المسلح ، تمت الخطوة الحاسمة التي لم يكن بالإمكان أن يستقيم الوضع دونها ألا وهي مبايعة الشيخ قائدًا وإمامًا على سنة الله ورسوله.
خصائص حركة ابن فوديو:
لقد نجح الشيخ في تغيير مجتمعه وإقامة شرع الله فيه على طريقة الشيخ الولي المعروفة عند الطرق الصوفية ، ولكنه أبدع في تحويلها إلى حركة إيجابية قادرة على استنهاض الطاقات الكامنة داخل الأمة عبر إحياء روح الجهاد والشهادة في سبيل الله ، بعد أن كانت تعرف بعزوفها عن التدخل المباشر في قضايا الحكم والدولة.
وقد اعتمد في حركته على مبدأ الولاية المكتسبة بالعلم والخبرة ، والمعززة بالمبايعة من قبل العلماء ووجوه الأمة ، والمرتكزة على اطمئنان الجمهور المتواصل لقيادته بشكل دائم.