فهرس الكتاب
ولم ينتحل الشيخ أية دعوة خاصة على الطريقة الفاطمية أو المهدوية ، بل استمر في الدعوة إلى المنابع الأصيلة للفكر الإسلامي بل أنه خاض مجموعة من النقاشات مع أنصاره خاصة يدعوهم فيها إلى عدم نسبة الصفة المهدية إليه وإلى حركته فقد كانت حركته تعبيرًا عن تطور الظروف المحلية التي استشعرت إمكانية النهوض والتطور نتيجة احتكاكها وتعرفها على الدعوة الإسلامية بصورتها الصحيحة، وبالتالي لم يعرف عنها الانتماء إلى أي من الاتجاهات التي كان يضج بها المجتمع الإسلامي ، كما أنها لم تكن كمثيلاتها من الحركات الإفريقية حيث كان التمسك فيها بالإسلام تعبيرًا عن درة فعل على الغزو الاستعماري الأوروبي الذي جاء ليؤسس نموذجًا حضاريًا غريبًا ومنافيًا للطبيعة الإفريقية التقليدية.
وجوده عديدة وشخصية واحدة:
كانت شخصية الشيخ متعددة المواهب ، وهو ما يظهر بسهولة حين نرى تراثه العلمي الضخم الذي يقدم مباحث فقهية معقدة يتناول فيها الأبحاث بشكل اجتهادي عميق ينم عن شخصية فقيه فذ وعالم فريد وعارف رباني لا ينشد إلا هداية المجتمع إلى شاطئ الأمان ، وقد ترك (الشيخ عثمان بن فوديو) أكثر من 150 عملًا فكريًا وفقهيًا ، معظمها حتى الآن بحاجة إلى تحقيق وطباعة وترجمة تسمح بالاستفادة منها والتعرف عليها .
إضافة إلى هذا ، فإن الشيخ كان رجل ميدان وحركة وتخطيط استراتيجي سليم ، تنقل في كل مكان من أجل نشر لدعوة ، وهيأ تلاميذه كهيئة أركان قادرة على الحوار والنقاش والدعوة النظرية ، في الوقت الذي كانت قادرة فيه على الانتقال للهجرة والجهاد والمقارعة ، بما في ذلك إدارة اللعبة السياسية وتهيئة الجيوش والتخطيط للمعارك ، ثم النزول في صفوفها الأمامية.
كما اتصف (الشيخ) بصفات شخصية قيادية وخلقية فذة ، فقد كان شديد التواضع أمام بسطاء الناس وخاصة أمام أساتذته ومعلميه ، وقد وصفه العالم المؤرخ النيجيري (محمد بلو) بقوله: ( إنه كان خطيبًا بليغًا ، وشاعرًا فصيحًا فاضلًا ، حسن الخلق ، جميل العشرة ، كريم الصحبة ، كثير الحياد ، متواضعًا ، يرى نفسه كأقل الحشرات ، وقافًا عند حدود الشريعة إلفا مألوفا ، حتى كان أحب الناس إلى أنفسهم ، يتزاحمون عليه مع طلاقة وحسن خلق وبشاشة) .
توفي (رحمه الله) عام 1817 تقريبًا ، لكنه خلف ذريته الكريمة التي أنجبت الكثير من الرموز الكبيرة في عطائها ، وترك وراءه أثارًا فكرية واسعة ستشكل الزاد الضروري لأية حركة نهوضية حديثة أو مستقبلية.
مجلة الكوثر ، العدد 51 ، يناير 2004
أيوب السختياني
الإمام ، الحافظ ، سيد العلماء ، أبو بكر بن أبي تميمة كيسان العنزي ، مولاهم البصري ، عداده في صغار التابعين .
-مولده عام توفي ابن عباس سنة ثمان وستين .
-لقي ابن عيينة ستة وثمانين من التابعين ،وكان يقول: مارأيتُ مثل أيوب .
-عن إسحاق بن محمد ، سمعت مالكًا يقول: كنا ندخل على أيوب السختياني ، فإذا ذكرنا له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى حتى نرحمه .
-عن سلام ، قال: كان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك ، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة .
-عن عارم ، حدثنا حماد قال: ما رأيت رجلًا قط أشد تبسمًا في وجوه الرجال من أيوب
-عن سلام بن مسكين ، سمعت أيوب يقول: لا خبيث أخبث من قارئ فاجر .
-وكان يقول: ليتق الله رجل . فإن زهد ، فلا يجعلن زُهده عذابًا على الناس ، فلأن يُخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه .
-وكان أيوب ممن يُخفي زهده ، دخلنا عليه ، فإذا هو على فراش مخمس أحمر، فرفعته أو رفعه بعض أصحابنا ، فإذا خصفة محشوة بليف .
-قال أيوب: ما صدق عبدٌ فأحب الشهرة .
-عن حمّاد بن زيد ، قال: كان أيوب في مجلس فجاءته عبرة فجعل يمتخط ويقول: ما أشد الزكام
-عن ابن شوذب ، قال: كان أيوب يؤم أهل مسجده في شهر رمضان ، ويصلي بهم في الركعة قدر ثلاثين آية ، ويصلي لنفسه فيما بين الترويحتين بقدر ثلاثين آية .وكان يقول هو بنفسه للناس: الصلاة ، ويوتر بهم ، ويدعو بدعاء القرآن ، ويؤمن من خلفه و آخر ذلك يُصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول: اللهم استعمِلنا بسنته ، وأوزعنا بهديه ، و اجعلنا للمتقين إمامًا ، ثم يسجد . وإذا فرغ من الصلاة دعا بدعوات .
-وعن هشام بن حسان: أن أيوب السختياني حج أربعين حجة .
-قال معمر: كان في قميص أيوب بعض التذييل فقيل له ، فقال: الشهرة اليوم في التشمير .- كان أيوب في طريق مكة ، فأصاب الناس عطش حتى خافوا ، فقال أيوب:أتكتمون علي ؟ قالوا: نعم ، فدور رداءه ودعا ، فنبع الماءُ ، وسقوا الجمال ورووا، ثم أمرّ يده على الموضع كما كان .
-قلت: اتفقوا على أنه توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة بالبصرة زمن الطاعون ،وله ثلاث وستون سنة.
نزهة الفضلاء 2/513
الشيخ الأديب عبد الغني الدقر
بقلم الأستاذ الأديب: عبد الله الطنطاوي
تمهيد: