الصفحة 66 من 3812

كما قال - سبحانه -: { فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } وكما قال - تعالى -: { وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب } وبعد فهذا تفسير محرر لسورة"ق"التى حفظها بعض الصحابة من فم النبى - صلى الله عليه وسلم - خلال تكراره لها في خطب الجمعة .

نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا . (1)

لن يجير صاحب الدعوة سوى الله

قال تعالى: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إ ِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) ( الجن) }

قوله تعالى: { قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ الله أَحَد } قال مقاتل: إنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك ، فقال الله له: { قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ الله أَحَدٌ } .

ثم قال تعالى: { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } أي ملجأ وحرزًا ، قال المبرد: { مُلْتَحَدًا } مثل قولك منعرجًا ، والتحد معناه في اللغة مال ، فالملتحد المدخل من الأرض مثل السرب الذاهب في الأرض .

قوله تعالى: { إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ الله ورسالاته } ذكروا في هذا الاستثناء وجوهًا أحدها: أنه استثناء من قوله: { لا أَمْلِكُ } [ الجن: 21 ] أي لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا إلا بلاغًا من الله ، وقوله: { قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى } [ الجن: 22 ] جملة معترضة وقعت في البين لتأكيد نفي الاستطاعة عنه وبيان عجزه على معنى: أنه تعالى إن أراد به سوءًا لم يقدر أحد أن يجيره منه ، وهذا قول الفراء . وثانيها: وهو قول الزجاج: أنه نصب على البدل من قوله: { مُلْتَحَدًا } [ الجن: 22 ] والمعنى: ولن أجد من دونه ملجأ إلا بلاغًا ، أي لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به ، وأقول هذا الاستثناء منقطع لأنه تعالى لما لم يقل ولن أجد ملتحدًا بل قال: { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ، والبلاغ من الله لا يكون داخلًا تحت قوله: { مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } لأن البلاغ من الله لا يكون من دون الله ، بل يكون من الله وبإعانته وتوفيقه ثالثها: قال بعضهم: ( إلا ) معناه إن ( لا ) ومعناه: إن لا أبلغ بلاغًا كقولك: ( إلا ) قيامًا فقعودًا ، والمعنى: إن لا أبلغ لم أجد ملتحدًا ، فإن قيل: المشهور أنه يقال بلغ عنه قال عليه السلام:"بلغوا عني ، بلغوا عني"فلم قال ههنا: { بَلاَغًا مِّنَ الله } ؟ قلنا: ( من ) ليست ( بصفة للتبلغ ) إنما هي بمنزلة ( من ) في قوله: { بَرَاءةٌ مّنَ الله } [ التوبة: 1 ] بمعنى بلاغًا كائنًا من الله . أما قوله تعالى: { ورسالاته } فهو عطف على { بَلاَغًا } كأنه قال: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ، والمعنى إلا أن أبلغ عن الله فأقول: قال الله كذا ناسبًا القول إليه وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان .

قوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } قال الواحدي إن مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء ولذلك حمل سيبويه قوله: { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } [ المائدة: 95 ] { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ } [ البقرة: 126 ] { فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ } [ الجن: 13 ] على أن المبتدأ فيها مضمر وقال صاحب «الكشاف» وقرىء: { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } على تقدير فجزاؤه أن له نار جهنم كقولك: { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال: 41 ] أي فحكمه أن لله خمسه .

ثم قال تعالى: { خالدين فِيهَا أَبَدًا } حملًا على معنى الجمع في ( من ) وفي الآية مسألتان:

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3965)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت