الصفحة 67 من 3812

المسألة الأولى: استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة مخلدون في النار وأن هذا العموم يشملهم كشموله الكفار ، قالوا: وهذا الوعيد مشروط بشرط أن لا يكون هناك توبة ولا طاعة أعظم منها ، قالوا: وهذا العموم أقوى في الدلالة على هذا المطلوب من سائر العمومات لأن سائر العمومات ما جاء فيها قوله: { أَبَدًا } فالمخالف يحمل الخلود على المكث الطويل ، أما ههنا ( فقد ) جاء لفظ الأبد فيكون ذلك صريحًا في إسقاط الاحتمال الذي ذكره المخالف والجواب: أنا بينا في سورة البقرة وجوه الأجوبة على التمسك بهذه العمومات ، ونزيد ههنا وجوهًا أحدها: أن تخصيص العموم بالواقعة التي لأجلها ورد ذلك العموم عرف مشهور ، فإن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار ساعة فقال الزوج إن خرجت فأنت طالق يفيد ذلك اليمين بتلك الساعة المعينة حتى إنها لو خرجت في يوم آخر لم تطلق ، فههنا أجرى الحديث في التبليغ عن الله تعالى ، ثم قال: { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } يعني جبريل: { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } أي من يعص الله في تبليغ رسالاته وأداء وحيه فإن له نار جهنم ، وإذا كان ما ذكرنا محتملًا سقط وجه الاستدلال الوجه الثاني: وهو أن هذا الوعيد لا بد وأن يتناول هذه الصورة لأن من القبيح أن يذكر عقيب هذه الواقعة حكمًا لا تعلق له بها ، فيكون هذا الوعيد وعيدًا على ترك التبليغ من الله ، ولا شك أن ترك التبليغ من الله أعظم الذنوب ، والعقوبة المترتبة على أعظم الذنوب ، لا يجوز أن تكون مرتبة على جميع الذنوب ، لأن الذنوب المتفاوتة في الصغر والكبر لا يجوز أن تكون متساوية في العقوبة ، وإذا ثبت أن هذه العقوبة على هذا الذنب ، وثبت أن ما كان عقوبة على هذا الذنب لا يجوز أن يكون عقوبة على سائر الذنوب ، علمنا أن هذا الحكم مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى سائر الذنوب الوجه الثالث: وهو أنه تعالى ذكر عمومات الوعيد في سائر آيات القرآن غير مقيدة بقيد الأبد ، وذكرها ههنا مقيدة بقيد الأبد ، فلا بد في هذا التخصيص من سبب ، ولا سبب إلا أن هذا الذنب أعظم الذنوب ، وإذا كان السبب في هذا التخصيص هذا المعنى ، علمنا أن هذا الوعيد مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى جميع الذنوب ، وإذا ثبت أن هذا الوعيد مختص بفاعل هذا الذنب ، صارت الآية دالة على أن حال سائر المذنبين بخلاف ذلك لأن قوله: { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَدًا } معناه أن هذه الحالة له لا لغيره ، وهذا كقوله: { لَكُمْ دِينَكُمْ } أي لكم لا لغيركم .

وإذا ثبت أن لهم هذه الحالة لا لغيرهم ، وجب في سائر المذنبين أن لا يكون لهم نار جهنم على سبيل التأبيد ، فظهر أن هذه الآية حجة لنا عليهم . وعلى تمسكهم بالآية سؤال آخر ، وهو أن قوله: { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } إنما يتناول من عصى الله ورسوله بجميع أنواع المعاصي ، وذلك هو الكافر ونحن نقول: بأن الكافر يبقى في النار مؤبدًا ، وإنما قلنا إن قوله: { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } إنما يتناول من عصى الله بجميع أنواع المعاصي لأن قوله: { وَمَن يَعْصِ الله } يصح استثناء جميع أنواع المعاصي عنه ، مثل أن يقال ومن يعص الله إلا في الكفر وإلا في الزنا ، وإلا في شرب الخمر ، ومن مذهب القائلين بالوعيد أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلًا تحت اللفظ وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون قوله: { وَمَن يَعْصِ الله } متناولًا لمن أتى بكل المعاصي ، والذي يكون كذلك هو الكافر ، فالآية مختصة بالكافر على هذا التقدير ، فسقط وجه الاستدلال بها .

فإن قيل: كون الإنسان الواحد آتيًا لجميع أنواع المعاصي محال ، لأن من المحال أن يكون قائلًا بالتجسم ، وأن يكون مع ذلك قائلًا بالتعطيل ، وإذا كان ذلك محالًا فحمل الآية عليه غير جائز قلنا: تخصيص العام بدليل العقل جائز ، فقولنا: { وَمَن يَعْصِ الله } يفيد كونه آتيًا بجميع أنواع المعاصي ، ترك العمل به في القدر الذي امتنع عقلًا حصوله فيبقى متناولًا للآتي بجميع الأشياء التي يمكن الجمع بينها ، ومن المعلوم أن الجمع بين الكفر وغيره ممكن فتكون الآية مختصة به .

المسألة الثانية: تمسك القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية فقالوا: تارك المأمور به عاص لقوله تعالى: { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } [ طه: 93 ] ، { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ } [ التحريم: 6 ] ، { لا أَعْصِى لَكَ أمْرًا } [ الكهف: 69 ] والعاصي مستحق للعقاب لقوله: { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَدًا } . (1)

أى: قل - أيها الرسول الكريم - لجميع من أرسلناك إليهم من الجن والإِنس: إنى أعبد ربى وحده ، وأتوجه إليه وحده بالدعاء والطلب ، ولا أشرك معه أحدا في عبادتى أو صلاتى أو نسكى . .

وقل لهم ، كذلك: { قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا } أى: لا أملك ما يضركم { وَلاَ رَشَدًا } أى: ولا أملك ما ينفعكم ، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - تعالى - وحده .

وقل لهم للمرة الثالثة: { إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ } أى: إنىلن يمنعنى أحد من الله - تعالى - إن أرادنى بسوء .

{ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } أى: ولن أجد من دونه ملجأ أركن إليه . يقال: التحد فلان إلى كذا ، أى: مال إليه .

فالآية الكريمة بيان لعجزه صلى الله عليه وسلم عن شئون نفسه أمام قدرة خالقه - عز وجل - بعد بيان عجزه عن شئون غيره .

(1) - تفسير الرازي - (ج 16 / ص 95)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت