فهرس الكتاب
وفي سنة 1937، عاد محمد كامل القصاب إلى دمشق بعد صدور العفو العام، ورأى مدرسته قد تضاءل شأنها، وقل طلابها إذ مالوا إلى مدارس الحكومة التي قررت وزارة المعارف وقتئذ إلا تقبل إلا شهادتها لدخول الجامعة، فأحب أن يخدم البلاد عن طريق نهضة العلماء، بعد أن فشلت مساعيه مع ساسة العرب، فأسس بطلب من أهل العلم (جمعية العلماء) التي نالت تصريحًا رسميًا من وزارة الداخلية في 8 تشرين الثاني 1937، ومهمتها دفع ما تعرض له الإسلام من إلحاد وإفساد ومقاومة، وكانت تحت رئاسته، وقد بلغ عدد مؤسسيها واحدًا وعشرين عضوًا، ووضع لها دستورًا يبّين غايتها، ونظامها الداخلي المفصل، وطرق تمويلها، ونص الدستور على أن غاية الجمعية الاهتمام بشؤون المسلمين ومؤسساتهم الدينية، ورفع مستوى العلماء والمتعلمين، وجمع كلمتهم، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن لا دخل للجمعية بالشؤون السياسية.
كان من أبرز أعمال الجمعية إنشاء المعهد العلمي الديني بدمشق، واختير له الأساتذة الأكفاء، ووضع له برنامج يجمع بين الثقافتين الدينية والعصرية. كما فكرت الجمعية بتأسيس عدة مدارس أولية ذات صفين في جميع أنحاء المدينة لمكافحة الأمية، ومدارس ابتدائية ذات خمسة صفوف يتأهل فيها الطالب للدخول في صفوف القسم الثانوي من المعهد وفي المدارس التجهيزية.
كما كان للجمعية مواقف عظيمة إيجابية مؤثرة منها: إلغاء قانون الطوائف الذي وضعه الفرنسيون، وفي 10 شباط 1939 أرسلت الجمعية احتجاجًا شديد اللهجة بشأن قانون الطوائف المذكور إلى رئيس الجمهورية، والمجلس النيابي، والوزراء، والمفوض السامي، والمندوب السامي، وجمعية الأمم المتحدة، ولجنة الانتداب، ووزير الخارجية الفرنسي. وجاء في آخر الاحتجاج: (وجمعية العلماء تحمل الحكومة تبعة ما ينتج عن بقاء هذا القانون من أثر هياج المسلمين في سبيل دينهم وغيرتهم على أحكام عقائدهم) . وقد أثر هذا الاحتجاج في الأوساط السياسية، فسقطت حكومة (جميل مردم) بسبب توقيعه على القانون. وكثرت مراجعات الجمعية على الحكومة، وانتقاداتها لها ومواقفها الشديدة فضاقت بها وضايقتها فأغلقت أبوابها.
كان كامل القصاب إلى جانب أعماله هذه تاجرًا أسس شركة تجارية في مصر تمارس تجارة (المواد الغذائية) ، جريئًا في المضاربة بأمواله، وله عقارات في حيفا استولى عليها اليهود.
ترك من المؤلفات كتابين:
ـ ذكرى موقعة حطين (بالاشتراك) .
ـ النقد والبيان في دفع أوهام خيزران (بالاشتراك) .
أصاب كامل القصاب مرض في المثانة في أخريات حياته، فلزم داره مدة طويلة، ثم شفي، وما لبث أن ألم به عارض في دماغه لم يمهله سوى ثلاثين ساعة، وكان ذلك في عام 1954، وصادف يوم وفاته اضطرابات لعلع فيها الرصاص في سماء مدينة دمشق زمن الشيشكلي، فصلى عليه بضعة أفراد في بيته، وتسللوا بنعشه بين الأزقة، ودفنوه في قبر والده بمقبرة الباب الصغير بجوار الصحابي الجليل بلال الحبشي.
المراجع:
ـ (موسوعة الأعلام) خير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1980، الجزء السابع، ص (13) .
ـ (تاريخ دمشق في القرن الرابع عشر الهجري) د. شكري فيصل وآخرون ، دمشق، الطبعة الأولى 1986، الجزء الثاني، ص (657ـ 667) .
محمد المبارك
هو محمد بن عبد القادر بن محمد المبارك، ولد عام 1912 في مدينة دمشق. نشأ في أسرة معروفة بالعلم والتقوى والصلاح، فجده محمد المبارك كان من علماء اللغة العربية، له نثر وشعر وله آثار مروية تدل على فضله وملكته. ووالده الشيخ عبد القادر المبارك علامة دمشق في اللغة والأدب، كان من أعضاء اللجنة التي ألفت في عهد الملك فيصل الأول لتعريب المصطلحات العسكرية، كما اختير عضوًا في المجمع العربي بدمشق حين تأسيسه، وكان كذلك عالمًا بالسيرة ووقائعها وبتراجم الرجال ومشاركًا في العلوم الإسلامية ومتقنًا للغة التركية وعارفًا بالإنجليزية. وله رسائل أدبية مطبوعة وشرح لعشر من مقامات الحريري.
درس محمد المبارك المرحلة الابتدائية ثم الثانوية في مدارس دمشق، وكان متفوقًا في دراسته خاصة في اللغة العربية والرياضيات، وكان له ميل واضح إلى العلوم العربية والعلوم الإسلامية. ثم تابع الدراسة الجامعية في دمشق في كلية الحقوق وفي الآداب، وأنهى الدراستين معًا في سنة 1935.
كان محمد المبارك ينتظم في الصباح في الدراسة النظامية، وفي المساء يدرس على شيخ علماء الشام في عصره الشيخ محمد بدر الدين الحسيني، وقد استفاد المبارك من علمه وقرأ عليه النحو والصرف والتفسير والمصطلح والفرائض وأصول الفقه والكلام والبلاغة والحساب والجبر والهندسة. كما كان يدرس على الشيخ سليم الجندي وعلى والده العلامة اللغوي الشيخ عبد القادر علوم اللغة العربية.
وكان المبارك في هذه الفترة متأثرًا بالأمير شكيب أرسلان وبمؤلفاته، وما كان ينشره في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية والتحرر من الاستعمار. وقد أتيح له الالتقاء بالأمير في باريس عندما كان طالبًا في جامعتها.