فهرس الكتاب
بعد ذلك عين معلمًا ابتدائيًا في مدارس الحكومة سنة 1931 حين أغلقت السلطات جريدة (الأيام) التي كان يعمل مديرًا لتحريرها، وبقي في التعليم الابتدائي إلى سنة 1935. وكانت حياته في تلك الفترة سلسلة من المشكلات بسبب مواقفه الوطنية وجرأته في مقاومة الفرنسيين وأعوانهم في الحكومة.
عام 1936 انتقل الطنطاوي للتدريس في العراق، فعين مدرسًا في الثانوية المركزية في بغداد، ثم في ثانويتها الغربية ودار العلوم الشرعية في الأعظمية، ولكن روحه الوثابة وجرأته في الحق فعلا به في العراق ما فعلا به في الشام، فما لبث أن نقل مرة بعد مرة، فعلم في كركوك في أقصى الشمال، وفي البصرة في أقصى الجنوب. وبقي يدرس في العراق حتى عام 1939، لم ينقطع عنه غير سنة واحدة أمضاها في بيروت مدرسًا في الكلية الشرعية فيها حتى عام 1937.
ثم رجع إلى دمشق فعين أستاذًا معاونًا في مكتب عنبر، ولكنه لم يكف عن مواقفه التي سببت له المتاعب، فنقل إلى مدرسة دير الزور سنة 1940 ولبث فيها فصلًا دراسيًا أبعد بعدها قسريًا بسبب خطبة حماسية ألقاها في صلاة الجمعة ضد المستعمر الفرنسي.
عام 1941 دخل الطنطاوي سلك القضاء، فعين قاضيًا في النبك مدة أحد عشر شهرًا ثم قاضيًا في دوما (من قرى دمشق) ، ثم قاضيًا ممتازًا في دمشق مدة عشر سنوات فمستشارًا لمحكمة النقض في الشام، ثم مستشارًا لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوحدة مع مصر.
وقد اقترح الطنطاوي ـ يوم كان قاضيًا في دوما ـ وضع قانون كامل للأحوال الشخصية فكلف بذلك عام 1947، وأوفد إلى مصر مع عضو محكمة الاستئناف الأستاذ نهاد القاسم (الذي صار وزيرًا للعدل أيام الوحدة) فأمضيا تلك السنة كلها هناك حيث كلف هو بدرس مشروعات القوانين الجديدة للمواريث والوصية وسواها. وقد أعد مشروع قانون الأحوال الشخصية كله وصار هذا المشروع أساسًا للقانون الحالي في سورية.
وكان القانون يخول القاضي الشرعي في دمشق رياسة مجلس الأوقاف وعمدة الثانويات الشرعية، فصار الطنطاوي مسؤولًا عن ذلك كله خلال العشر سنين التي أمضاها في قضاء دمشق، فقرر أنظمة الامتحانات في الثانويات الشرعية، وكان له يد في تعديل قانون الأوقاف ومنهج الثانويات، ثم كلف عام 1960 بوضع مناهج الدروس فيها فوضعها وحده بعدما سافر إلى مصر واجتمع فيها بالقائمين على إدارة التعليم في الأزهر واعتمدت كما وضعها.
انتقل الطنطاوي عام 1963 بعد انقلاب الثامن من آذار، وإعلان حالة الطوارئ في سورية، إلى المملكة العربية السعودية ليعمل مدرسًا في كلية الشريعة وكلية اللغة العربية في الرياض، ومنها انتقل إلى مكة، للتدريس فيها ليمضي فيها وفي جدة خمسًا وثلاثين سنة.
بدأ الطنطاوي هذه المرحلة الجديدة من حياته بالتدريس في كلية التربية بمكة، ثم لم يلبث أن كلف ببرنامج للتوعية الإسلامية، فترك الكلية وراح يطوف على الجامعات والمعاهد والمدارس في أنحاء المملكة لإلقاء الدروس والمحاضرات، وتفرغ للفتوى يجيب على أسئلة وفتاوى الناس في الحرم ـ في مجلس له هناك ـ أو في بيته ساعات كل يوم، ثم بدأ برنامجيه (مسائل ومشكلات) في الإذاعة، و (نور وهداية) في التلفزيون اللذين قدر لهما أن يكونا أطول البرامج عمرًا في تاريخ إذاعة المملكة وتلفزيونها.
يعتبر الطنطاوي من أقدم المحاضرين الإذاعيين في العالم العربي، إذ بدأ يحاضر من إذاعة الشرق الأدنى من يافا من أوائل الثلاثينات، ومن إذاعة بغداد سنة 1937، ومن إذاعة دمشق سنة 1942 لأكثر من عقدين متصلين، وأخيرًا من إذاعة المملكة وتلفزيونها نحوًا من ربع قرن متصل من الزمان.
نشر الطنطاوي أول مقالة له في جريدة عامة في عام 1926، ولم ينقطع عن النشر في الصحف منذ ذلك التاريخ، فشارك في تحرير مجلتي خاله محب الدين (الفتح) و (الزهراء) حين زار مصر عام 1926، ثم كتب في جريدة فتى العرب ثم في (ألف باء) ، ثم كان مدير تحرير (الأيام) التي أصدرتها الكتلة الوطنية سنة 1931 وخلال ذلك كان يكتب في (الناقد) و (الشعب) وسواهما من الصحف. وفي سنة 1933 أنشأ الزيات المجلة الكبرى (الرسالة) فكان الطنطاوي واحدًا من كتابها واستمر فيها عشرين سنة إلى أن احتجبت سنة 1953. وكتب في مجلة (المسلمون) و (النصر) وفي مكة كتب في مجلة (الحج) وفي جريدة (المدينة) ، ونشر ذكرياته في (الشرق الأوسط) على مدى نحو خمس سنين. وله مقالات متناثرة في عشرات الصحف والمجلات التي كان يعجز هو نفسه عن حصرها وتذكر أسمائها.
شارك الطنطاوي في طائفة من المؤتمرات منها حلقة الدراسات الاجتماعية التي عقدتها جامعة الدول العربية في دمشق في عهد الشيشكلي، ومؤتمر الشعوب العربية لنصرة الجزائر، ومؤتمر تأسيس رابطة العالم الإسلامي واثنين من المؤتمرات السنوية لاتحاد الطلبة المسلمين في أوروبا. وأهم مشاركة له كانت في المؤتمر الإسلامي الشعبي في القدس عام 1953 والذي تمخضت عنه سفرته الطويلة في سبيل الدعاية لفلسطين، وقد جاب فيها باكستان والهند والملايو وإندونيسيا.
لما جاوز الطنطاوي الثمانين من عمره وبدأ التعب يغزو جسمه آثر ترك الإذاعة والتلفزيون واعتزل الناس إلا قليلًا من المقربين يأتونه في معظم الليالي زائرين، فصار ذلك له مجلسًا يطل من خلاله على الدنيا، وصار منتدى أدبيًا وعلميًا تبحث فيه مسائل العلم والفقه واللغة والأدب والتاريخ.
وفي الثامن عشر من حزيران عام 1999 توفي علي الطنطاوي في مستشفى الملك بجدة، ودفن في مكة في اليوم التالي بعدما صلي عليه في الحرم المكي الشريف.