الصفحة 693 من 3812

ويعجب تلاميذه وإخوانه من كلامه هذا، ولسان حالهم يقول: إنه الإخلاص.. إنه الورع والتقوى.. إنه صفاء القلب والعقل والنفس.. إنه حبّ الله وحّب رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي ملك عليه أقطار قلبه وعقله.. إنه الخشية التي جعلتك تقول: إن كلَّ علم لا يورث خشية، لا يزيد صاحبه إلا بعدًا من الله تعالى، فوازنتَ بين العلم والعمل، وكنتَ مخبتًا لله، زاهدًا، متقشّفًا، وقد أورثك هذا وسواه، إقبال الناس عليك، وازدحامهم على دروسك، وتأثّرهم بمواعظك، وامتثالهم لأوامرك وتعليماتك المستمدّة من كتاب الله وسنّة رسوله، البعيدة عن الهوى،العاملة على سرد الخرافات والبدع من حياة المبتدعين وأتباعهم الجهلة، حتى لا يفسدوا على الناس دينهم وعقيدتهم.

النهضة العلمية

أستطيع أن أؤكد أن الشيخ علي الدقر هو صاحب أضخم نهضة علميّة في بلاد الشام في القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي.

وسبب هذه النهضة التي دُعيتْ بنهضة العلماء، أن الشيخ عليًا كان محبًّا للعلم، شغوفًا به شغفًا جعل أباه التاجر الكبير يأسى لحاله، ويشكو إلى بقّال صديق ما قد يؤول إليه مصير ولده عليّ الذي ترك التجارة، ولحق المشايخ ودروسهم في المساجد، وترك المال والعزّ والجاه الذي يرتع هو وأولاده الآخرون في نعيمه، فيما الشيخ علي زاهد في كلّ ذلك، مقبل على طلب العلم، والجلوس بين أيدي المشايخ.

وشاء الله أن يمتدّ العمر بذلك البقال، ليرى ما وصل إليه الشيخ علي من العزّ، وهو يراه من دكانه، وقد حفّ به أصحاب العمائم، فيتذكّر شكوى أبيه الحاج عبد الغني، وخوفه الفقر والعوز على ولده، يتذكّر هذا فيهتف بأعلى صوته:

"أين أنت يا أبا صادق، لترى العزّ الحقيقي لابنك الشيخ علي."

وثمة سبب آخر، هو ما كان عليه التعليم الرسمي من بُعْدٍ عن الله وعن تعاليم الإسلام ومبادئ الأخلاق، وتأثر بالغرب وعلومه.

فكّر الشيخ عليّ مليًّا فيما يعمل، واستخار الله تعالى، ثم هداه تفكيره إلى البديل عن تلك المدارس ذات المناهج العلمانية.. والبديل في إنشاء مدارس ومعاهد شرعيّة، تعلّم العقيدة، وأحكام الإسلام، والعلوم الشرعية، والعلوم العربية التي هي مفتاح العلوم الشرعية.

ولا بدّ لإنشاء المدارس والمعاهد من أموال، ورجال، ونظام، وهذا يتطلب إنشاء جمعية، فقرّر، بالتعاون مع التجار الذين يحبّونه، ويثقون به، وبصلاحه، وبسداد رأيه، وبتوفيق الله إياه لما فيه خير الأمة في دينها ودنياها، وبالتعاون مع بعض العلماء أيضًا، كالشيخ هاشم الخطيب، وبمباركة محدّث الشام الشيخ بدر الدين الحسني.. قرّر إنشاء (الجمعية الغرّاء لتعليم أولاد الفقراء) ثم انطلق يحشد الطلاب لدراسة العلم الشرعي من أولاد الفقراء في حوران، والأردن، وبعض المدن والقرى السورية.

الجمعية الغرّاء

كان لهذه الجمعية التي تأسست عام 1343هـ - 1924م آثار في النهضة العلمية في بلاد الشام، وقبل أن تتخذ لها مقرًا تجتمع فيه إدارتها، ويرتاده الناس، أنشأت مدرسة في بناء المدرسة السميساطية لطلاب المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وصار مقرّ إدارة المدرسة مقرًّا لإدارة الجمعية، وانطلق تلاميذ الشيخ علي إلى قرى حوران، يأخذون من كل قرية واحدًا أو أكثر من أبنائها الذين يتوسمون فيهم الذكاء والنجابة، حتى كثر الطلاب من الجنسين، وضاقت بهم المدرسة السميساطية، فبادرت الجمعية إلى اعتماد مراكز للتدريس في جامع العدّاس، والتكيّة السليمانية، والمدرسة الخيضرية، والمدرسة السباهية، وقد توزعت على عدد من أحياء دمشق القديمة، من الباب الشمالي للجامع الأموي، إلى باب الجابية، إلى سواهما.

"وفي سنة 1353هـ تقريبًا - أواخر أيام الانتداب الفرنسي - استولت الجمعية على جامع تنكز بشارع النصر، فصار مقرًا لها، وفيه أسست ثانوية شرعية سُمِّيت: معهد العلوم الشرعية الإسلامية. تكفّلت الجمعية لطلابها بالطعام، والكساء، والمبيت... وقامت بتعليم الفقراء مجانًا.. واهتمت بتعليم علوم الدين، والدنيا، والتوجيه الخلقي العام."

وكان يتبع لها من المدارس الابتدائية التي أنشأتها:

1 -مدرسة سعادة الأبناء. للذكور. فيها مئات الطلاب.

2 -مدرسة وقاية الأبناء. للذكور. فيها مئات الطلاب.

3 -مدرسة هداية الأبناء. للذكور. فيها مئات التلاميذ.

4 -مدرسة روضة الحياء. للإناث. فيها مئات التلميذات.

5 -مدرسة زهرة الحياء. للإناث. فيها أكثر من مئة تلميذة.

كما أسست من المدارس الثانوية ست مدارس ومعاهد للذكور والإناث منها:

1 -معهد العلوم الشرعية. للذكور. فيه مئات الطلاب.

2 -ثانوية السعادة. للذكور. فيها مئات الطلاب.

3 -معهد العلوم الشرعية. للإناث. فيها مئات الطالبات.

قال الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته 168/1:

"لقد أثمرت - الجمعية الغراء - خيرًا كثيرًا، وخرّجت علماء ودعاة، وأحيا بها الله أرض حوران والبلقاء - الأردن".

بل خرّجت مئات الدعاة، والعلماء، والخطباء، والأدباء، والوعاظ، والمعلمين، والمدرّسين، وأساتذة الجامعات، والمفكرين، أذكر منهم بعض العلماء الذين علّمونا في معهد العلوم الشرعية، وكانوا من فطاحل العلماء الذين سعدت بهم دمشق:

1 -الشيخ حسن حبنكة (العلامة المجاهد المربي) .

2 -الشيخ عبد الوهاب الحافظ (دبس وزيت) (مفتي الأحناف بدمشق) .

3 -الشيخ نايف عباس (علامة التاريخ والفرائض) .

4 -الشيخ أحمد الدقر (مدير المعهد) .

5 -الشيخ عبد الغني الدقر (الأديب، النحوي، الفقيه، المحدّث) .

6 -الشيخ عبد الكريم الرفاعي (العالم الرباني) .

7 -الشيخ أحمد منصور المقداد (الشافعي الصغير) .

8 -الأستاذ محمد الدقر (محام وقاض) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت