الصفحة 72 من 3812

لقد كان ميلادًا جديدًا للبشرية كميلاد الإنسان في طبيعته . وأعظم منه خطرًا في قيمته . . أن ينطلق الإنسان حقيقة شعورًا وواقعًا من كل القيم المتعارف عليها في الأرض ، إلى قيم أخرى تتنزل له من السماء منفصلة منعزلة عن كل ما في الأرض من قيم وموازين وتصورات واعتبارات وملابسات عملية ، وارتباطات واقعية ذات ضغط وثقل ، ووشائج متلبسة باللحم والدم والأعصاب والمشاعر . ثم أن تصبح القيم الجديدة مفهومة من الجميع ، مسلمًا بها من الجميع . وأن يستحيل الأمر العظيم الذي احتاجت نفس محمد صلى الله عليه وسلم - كي تبلغه إلى التنبيه والتوجيه ، أن يستحيل هذا الأمر العظيم بديهية الضمير المسلم ، وشريعة المجتمع المسلم ، وحقيقة الحياة الأولى في المجتمع الإسلامي لآماد طويلة في حياة المسلمين .

إننا لا نكاد ندرك حقيقة ذلك الميلاد الجديد . لأننا لا نتمثل في ضمائرنا حقيقة هذا الانطلاق من كل ما تنشئه أوضاع الأرض وارتباطاتها من قيم وموازين واعتبارات ساحقة الثقل إلى الحد الذي يخيل لبعض أصحاب المذاهب « التقدمية! » أن جانبًا واحدًا منها هو الأوضاع الاقتصادية هو الذي يقرر مصائر الناس وعقائدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعرفهم وتصورهم للحياة! كما يقول أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ في ضيق أفق ، وفي جهالة طاغية بحقائق النفس وحقائق الحياة!

إنها المعجزة . معجزة الميلاد الجديد للإنسان على يد الإسلام في ذلك الزمان . .

ومنذ ذلك الميلاد سادت القيم التي صاحبت ذلك الحادث الكوني العظيم . . ولكن المسألة لم تكن هينة ولا يسيرة في البيئة العربية ، ولا في المسلمين أنفسهم . . غير أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استطاع بإرادة الله ، وبتصرفاته هو وتوجيهاته المنبعثة من حرارة انفعاله بالتوجيه القرآني الثابت أن يزرع هذه الحقيقة في الضمائر وفي الحياة؛ وأن يحرسها ويرعاها ، حتى تتأصل جذورها وتمتد فروعها ، وتظلل حياة الجماعة المسلمة قرونًا طويلة . . على الرغم من جميع عوامل الانتكاس الأخرى . .

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا الحادث يهش لابن أم مكتوم ويرعاه؛ ويقول له كلما لقيه: « أهلًا بمن عاتبني فيه ربي » وقد استخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة . .

ولكي يحطم موازين البيئة وقيمها المنبثقة من اعتبار الأرض ومواضعاتها ، زوج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية ، لمولاه زيد بن حارثة . ومسألة الزواج والمصاهرة مسألة حساسة شديدة الحساسية . وفي البيئة العربية بصفة خاصة .

وقبل ذلك حينما آخى بين المسلمين في أول الهجرة ، جعل عمه حمزة ومولاه زيدًا أخوين . وجعل خالد ابن رويحة الخثعمي وبلال بن رباح أخوين!

وبعث زيدًا أميرًا في غزوة مؤته ، وجعله الأمير الأول ، يليه جعفر بن أبي طالب ، ثم عبد الله بن رواحه الأنصاري ، على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار ، فيهم خالد بن الوليد .

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يشيعهم . . وهي الغزوة التي استشهد فيها الثلاثة رضي الله عنهم .

وكان آخر عمل من أعماله صلى الله عليه وسلم أن أمَّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم ، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو بكر وعمر وزيراه ، وصاحباه ، والخليفتان بعده بإجمال المسلمين . وفيهم سعد بن أبي وقاص قريبه - صلى الله عليه وسلم -ومن أسبق قريش إلى الإسلام .

وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث . وفي ذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما-: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعثًا أمر عليهم أسامة بن زيد رضي الله عنهما فطعن بعض الناس في إمارته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم

« إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل . وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليّ . وإن هذا لمن أحب الناس إلي » .

ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي ، وتحدثوا عن الفارسية والعربية ، بحكم إيحاءات القومية الضيقة ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال: « سلمان منا أهل البيت » فتجاوز به بقيم السماء وميزانها كل أفاق النسب الذي يستعزون به ، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها . . وجعلة من أهل البيت رأسًا!

ولما وقع بين أبي ذر الغفاري وبلال بن رباح رضي الله عنما ما أفلت معه لسان أبي ذر بكلمة « يا بن السوداء » . . غضب لها رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا؛ وألقاها في وجهه أبي ذر عنيفة مخيفة: « يا أبا ذر طفّ الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل » ففرق في الأمر إلى جذوره البعيدة . . إما إسلام فهي قيم السماء وموازين السماء . وإما جاهلية فهي قيم الأرض وموازين الأرض!

ووصلت الكلمة النبوية بحرارتها إلى قلب أبي ذر الحساس؛ فانفعل لها أشد الانفعال ، ووضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال . تكفيرًا عن قولته الكبيرة!

وكان الميزان الذي ارتفع به بلال هو ميزان السماء . . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة عندك . فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة » فقال: ما عملت في الإسلام عملًا أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت