فهرس الكتاب
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن عمار بن ياسر وقد استأذن عليه: « ائذنوا له مرحبًا بالطيب المطيب » . وقال عنه: « ملئ عمار رضي الله عنه إيمانًا إلى مشاشه » . وعن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما واهتدوا بهدي عمار . وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه » .
وكان ابن مسعود يحسبه الغريب عن المدينة من أهل بيت رسول الله . . عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قدمت أنا وأخي من اليمن ، فمكثنا حينًا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة دخولهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزومهم له « .
وجليبيب وهو رجل من الموالي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار . فلما تأبى أبواها قالت هي: أتريدون أن تردوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه . فرضيا وزوجاها .
وقد افتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقعة التي استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه . . عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغزى له ، فأفاء الله عليه . فقال لأصحابه: « هل تفقدون من أحد؟ » قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا . ثم قال: « هل تفقدون من أحد؟ » قالوا: نعم . فلانًا وفلانًا وفلانًا . ثم قال: « هل تفقدون من أحد؟ » فقالوا: لا . قال: « لكني أفقد جليبيبًا » فطلبوه ، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه ، ثم قال: « قتل سبعة ثم قتلوه . هذا مني وأنا منه . هذا مني وأنا منه . ثم وضعه على ساعديه ، ليس له سرير إلا ساعدا النبي صلى الله عليه وسلم قال: فحفر له ، ووضع في قبره ولم يذكر غسلًا » .
بذلك التوجيه الإلهي وبهذا الهدي النبوي كان الميلاد للبشرية على هذا النحو الفريد . ونشأ المجتمع الرباني الذي يتلقى قيمه وموازينه من السماء ، طليقًا من قيود الأرض ، بينما هو يعيش على الأرض . . وكانت هذه هي المعجزة الكبرى للإسلام . المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة إله ، وبعمل رسول . والتي تدل بذاتها على أن هذا الدين من عند الله ، وأن الذي جاء به للناس رسول!
وكان من تدبير الله لهذا الأمر أن يليه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه الأول أبو بكر ، وصاحبه الثاني عمر . . أقرب اثنين لإدراك طبيعة هذا الأمر ، وأشد اثنين انطباعًا بهدي رسول الله ، وأعمق اثنين حبًا لرسول الله ، وحرصًا على تتبع مواضع حبه ومواقع خطاه .
حفظ أبو بكر رضي الله عنه عن صاحبه صلى الله عليه وسلم ما أراده في أمر أسامة . فكان أول عمل له بعد توليه الخلافة هو إنفاذه بعث أسامة ، على رأس الجيش الذي أعده رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة . أسامة راكب وأبو بكر الخليفة راجل .
فيستحي أسامة الفتى الحدث أن يركب والخليفة الشيخ يمشي . فيقول: « يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن » . . فيقسم الخليفة: « والله لا تنزل . ووالله لا أركب . وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة؟ » . .
ثم يرى أبو بكر أنه في حاجة إلى عمر . وقد حمل عبء الخلافة الثقيل . ولكن عمر إنما هو جندي في جيش أسامة . وأسامة هو الأمير . فلا بد من استئذانه فيه . فإذا الخليفة يقول: « إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل » . . يالله! إن رأيت أن تعينني فافعل . . إنها آفاق عوال . لا يرقى إليها الناس إلا بإرادة الله ، على يدي رسول من عند الله!
ثم تمضي عجلة الزمن فنرى عمر بن الخطاب خليفة يولي عمار بن ياسر على الكوفة .
ويقف بباب عمر سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام ، وأبو سفيان بن حرب ، وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء! فيأذن قبلهم لصهيب وبلال . لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر . فتورم أنف أبي سفيان ، ويقول بانفعال الجاهلية: « لم أر كاليوم قط . يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه! » . . فيقول له صاحبه وقد استقرت في حسه حقيقة الإسلام: « أيها القوم . إني والله أرى الذي في وجوهكم . إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم . دعي القوم إلى الإسلام ودعيتم . فأسرعوا وأبطأتم . فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم؟ » .
ويفرض عمر لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد الله بن عمر . حتى إذا سأله عبد الله عن سر ذلك قال له: « يا بني . كان زيد رضي الله عنه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك! وكان أسامة رضي الله عنه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك! فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي » . . يقولها عمر وهو يعلم أن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان مقومًا بميزان السماء!
ويرسل عمر عمارًا ليحاسب خالد بن الوليد القائد المظفر صاحب النسب العريق فيلببه بردائه . . ويروى أنه أوثقه بشال عمامته حتى ينتهي من حسابه فتظهر براءته فيفك وثاقه ويعممه بيده . . وخالد لا يرى في هذا كله بأسًا . فإنما هو عمار صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق إلى الإسلام الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال!
وعمر هو الذي يقول عن أبي بكر رضي الله عنهما هو سيدنا وأعتق سيدنا . يعني بلالًا . الذي كان مملوكًا لأمية بن خلف .
وكان يعذبه عذابًا شديدًا . حتى اشتراه منه أبو بكر وأعتقه . . وعنه يقول عمر بن الخطاب . . عن بلال . . سيدنا!