الصفحة 74 من 3812

وعمر هو الذي قال: « ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لاستخلفته » يقول هذا ، وهو لم يستخلف عثمان ولا عليًا ، ولا طلحة ولا الزبير . . إنما جعل الشورى في الستة بعده ولم يستخلف أحدًا بذاته!

وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه يرسل عمارًا والحسن بن علي رضي الله عنهما إلى أهل الكوفة يستنفرهم في الأمر الذي كان بينه وبين عائشة رضي الله عنها فيقول: « إني لأعلم أنها زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو تتبعوها » . . فيسمع له الناس في شأن عائشة أم المؤمنين ، وبنت الصديق أبي بكر رضي الله عنهم جميعًا .

وبلال بن رباح يرجوه أخوه في الإسلام أبو رويحة الخثعمي أن يتوسط له في الزواج من قوم من أهل اليمن . فيقول لهم: « أنا بلال بن رباح ، وهذا أخي أبو رويحة ، وهو امرؤ سوء في الخلق والدين . فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه ، وإن شئتم أن تدعوا فدعوا » . . فلا يدلس عليهم ، ولا يخفى من أمر أخيه شيئًا ، ولا يذكر أنه وسيط وينسى أنه مسؤول أمام الله فيما يقول . . فيطمئن القوم إلى هذا الصدق . . ويزوجون أخاه ، وحسبهم وهو العربي ذو النسب أن يكون بلال المولى الحبشي وسيطه!

واستقرت تلك الحقيقة الكبيرة في المجتمع الإسلامي ، وظلت مستقرة بعد ذلك آمادًا طويلة على الرغم من عوامل الانتكاس الكثيرة . « وقد كان عبد الله بن عباس يذكر ويذكر معه مولاه عكرمه . وكان عبد الله ابن عمر يذكر ويذكر معه مولاه نافع . وأنس بن مالك ومعه مولاه ابن سيرين . وأبو هريرة ومعه مولاه عبد الرحمن بن هرمز . وفي البصرة كان الحسن البصري . وفي مكة كان مجاهد بن جبر ، وعطاء بن رباح ، وطاووس بن كيسان هم الفقهاء . وفي مصر تولى الفتيا يزيد بن أبي حبيب في أيام عمر بن عبد العزيز وهو مولى أسود من دنقلة » . .

وظل ميزان السماء يرجح بأهل التقوى ولو تجردوا من قيم الأرض كلها . . في اعتبار أنفسهم وفي اعتبار الناس من حولهم . ولم يرفع هذا الميزان من الأرض إلا قريبًا جدًا بعد أن طغت الجاهلية طغيانًا شاملًا في أنحاء الأرض جميعًا . وأصبح الرجل يقوم برصيده من الدولارات في أمريكا زعيمة الدول الغربية . وأصبح الإنسان كله لا يساوي الآلة في المذهب المادي المسيطر في روسيا زعيمة الدول الشرقية . أما أرض المسلمين فقد سادت فيها الجاهلية الأولى ، التي جاء الإسلام ليرفعها من وهدتها؛ وانطلقت فيها نعرات كان الإسلام قد قضى عليها .

وحطمت ذلك الميزان الإلهي وارتدت إلى قيم جاهلية زهيدة لا تمت بصلة إلى الإيمان والتقوى . .

ولم يعد هنالك إلا أمل يناط بالدعوة الإسلامية أن تنقذ البشرية كلها مرة أخرى من الجاهلية؛ وأن يتحقق على يديها ميلاد جديد للإنسان كالميلاد الذي شهدته أول مرة ، والذي جاء ذلك الحادث الذي حكاه مطلع هذه السورة ليعلنه في تلك الآيات القليلة الحاسمة العظيمة . . (1)

الرسول لا يسيطر على قلوب الناس

قال تعالى: { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22) ( الغاشية) }

اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل على صحة التوحيد والمعاد ، قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: { فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ } وتذكير الرسول إنما يكون بذكر هذه الأدلة وأمثالها والبعث على النظر فيها والتحذير من ترك تلك ، وذلك بعث منه تعالى للرسول على التذكير والصبر على كل عارض معه ، وبيان أنه إنما بعث لذلك دون غيره ، فلهذا قال: { إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ } .

قال صاحب «الكشاف» : { بمصيطر } بمسلط ، كقوله: { يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } [ ق: 45 ] وقوله: { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ يونس: 99 ] وقيل: هو في لغة تميم مفتوح الطاء على أن سيطر متعد عندهم ، والمعنى أنك ما أمرت إلا بالتذكير ، فأما أن تكون مسلطًا عليهم حتى تقتلهم ، أو تكرههم على الإيمان فلا ، قالوا: ثم نسختها آية القتال ، هذا قول جميع المفسرين ، والكلام في تفسير هذا الحرف قد تقدم عند قوله: { أَمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ } [ الطور: 37 ] . أما قوله تعالى:ففيه مسائل .

المسألة الأولى: في الآية قولان: أحدهما: أنه استثناء حقيقي ، وعلى هذا التقدير هذا الاستثناء ، استثناء عماذا؟ فيه احتمالان الأول: أن يقال التقدير: فذكر إلا من تولى وكفر والثاني: أنه استثناء عن الضمير في { عَلَيْهِمْ } [ الغاشية: 22 ] والتقدير: لست عليهم بمسيطر إلا من تولى . واعترض عليه بأنه عليه السلام ما كان حينئذ مأمورًا بالقتال وجوابه: لعل المراد أنك لا تصبر مسلطًا إلا على من تولى القول الثاني: أنه استثناء منقطع عما قبله ، كما تقول في الكلام: قعدنا نتذكر العلم ، إلا أن كثيرًا من الناس لا يرغب ، فكذا ههنا التقدير لست بمسئول عليهم ، لكن من تولى منهم فإن الله يعذبه العذاب الأكبر الذي هو عذاب جهنم ، قالوا وعلامة كون الاستثناء منقطعًا حسن دخول أن في المستثني ، وإذا كان الاستثناء متصلًا لم يحسن ذلك ، ألا ترى أنك تقول: عندي مائتان إلا درهمًا ، فلا تدخل عليه أن ، وههنا يحسن أن ، فإنك تقول: إلا أن من تولى وكفر فيعذبه الله .

المسألة الثانية: قرىء: ( ألا من تولى ) على التنبيه ، وفي قراءة ابن مسعود: ( فإنه يعذبه ) .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 7 / ص 452)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت