فهرس الكتاب
المسألة الثالثة: إنما سماه العذاب الأكبر لوجوه أحدها: أنه قد بلغ حد عذاب الكفر وهو الأكبر ، لأن ما عداه من عذاب الفسق دونه ، ولهذا قال تعالى: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر } [ السجدة: 21 ] ، وثانيها: هو العذاب في الدرك الأسفل في النار وثالثها: أنه قد يكون العذاب الأكبر حاصلًا في الدنيا ، وذلك بالقتل وسبي الذرية وغنيمة الأموال ، والقول الأول أولى وأقرب . ثم قال تعالى:وهذا كأنه من صلة قوله: { فَيْعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر } [ الغاشية: 24 ] وإنما ذكر تعالى ذلك ليزيل به عن قلب النبي صلى الله عليه وسلم حزنه على كفرهم ، فقال: طب نفسًا عليهم ، وإن عاندوا وكذبوا وجحدوا فإن مرجعهم إلى الموعد الذي وعدنا ، فإن علينا حسابهم وفيه سؤال: وهو أن محاسبة الكفار إنما تكون لإيصال العقاب إليهم وذلك حق الله تعالى ، ولا يجب على المالك أن يستوفي حق نفسه والجواب: أن ذلك واجب عليه إما بحكم الوعد الذي يمتنع وقوع الخلف فيه ، وإما في الحكمة ، فإنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لكان ذلك شبيهًا بكونه تعالى راضيًا بذلك الظلم وتعالى الله عنه ، فلهذا السبب كانت المحاسبة واجبة وههنا مسألتان:
المسألة الأولى: قرأ أبو جعفر المدني: { إِيَابَهُمْ } بالتشديد . قال صاحب «الكشاف» : وجهه أن يكون فيعالا مصدره أيب فيعل من الإياب ، أو يكون أصله أوابًا فعالًا من أوب ، ثم قيل: إيوابًا كديوان في دون ، ثم فعل به ما فعل بأصل سيد .
المسألة الثانية: فائدة تقديم الظرف التشديد بالوعيد ، فإن { إِيَابَهُمْ } ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه ، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير ، والله سبحانه وتعالى أعلم . (1)
والفاء في قوله { فذكر } للتفريع ، وترتيب ما بعدها على ما قبلها . والأمر مستعمل في طلب الاستمرار والدوام في دعوته الناس إلى الحق ، ومفعول:"فذكر"محذوف العلم به .
وجملة"إنما أنت مذكر"تعليل للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ما أمره بتبليغه .
والمصيطر: هو المتسلط ، المتجبر ، الذى يجبر الناس على الانقياد لما يأمرهم به .
وقد قرأ الجمهور هذا اللفظ بالصاد ، وقرأ ابن عامر بالسين .
أى: إذا كان الأمر كما بينا لك - أيها الرسول الكريم - من أحوال الناس يوم الغاشية ، ومن أننا نحن الذين أوجدنا هذا الكون بقدرتنا . . فداوم - أيها الرسولب الكريم - على دعوة الناس إلى الدين الحق ، فهذه وظيفتك التى لا وظيفة لك سواها ، وكِلْ أمرهم بعد ذلك إلينا ، فأنت لست بمجبر لهم أو مكره إياهم على اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .
وقوله - سبحانه - { إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ . فَيُعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر } كلام معترض بين قوله: { فذكر . . } وبين قوله - تعالى - بعد ذلك: { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ } والاستثناء فيه استثناء منقطع ، و"إلا"بمعنى لكن ، و"مَنْ"موصولة مبتدأ . . والخبر ."فيعذبه الله العذاب الأكبر".
أى: داوم - أيها الرسول الكريم - على التذكير . . لكن من تولى وأعرض عن تذكيرك وإرشادك ، وأصر على كفره ، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } .
والإِياب مأخوذ من الأوب بمعنى الرجوع إلى المكان الذى كان فيه قبل ذلك . والمراد به هنا: الرجوع إلى الله - تعالى - يوم القيامة للحساب والجزاء .
أى: داوم - أيها الرسول الكريم - على تذكير الناس بدعوة الحق ، بدون إجبار لهم ، أو تسلط عليهم ، واتركهم بعد ذلك وشأنهم . . فإن إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت لا إلى أحد سوانا ، ثم إن علينا وحدنا - أيضا - حسابهم على أعمالهم ، ومجازاتهم عليها بالجزاء الذى نراه مناسبا لهم .
وصدر - سبحانه - الآيتين بحرف التأكيد"إن"وعطف الثانية على الأولى بحرف"ثم"المفيد للتراخى في الرتبة ، وقدم خبر"إن"فى الجلمتين على اسمها . . لإِفادة التهديد والوعيد ، وتأكيد أن رجوعهم إليه - تعالى - أمر لا شك فيه . وإن حسابهم يوم القيامة سيكون حسابا عسيرا ، لأنه صادر عمن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء . (2)
فذكر بهذا وذاك . ذكرهم بالآخرة وما فيها . وذكرهم بالكون وما فيه . إنما أنت مذكر . هذه وظيفتك على وجه التحديد . وهذا دورك في هذه الدعوة ، ليس لك ولا عليك شيء وراءه . عليك أن تذكر . فإنك ميسر لهذا ومكلف إياه .
{ لست عليهم بمسيطر } . . فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئًا . حتى تقهرها وتقسرها على الإيمان . فالقلوب بين أصابع الرحمن ، لا يقدر عليها إنسان .
فأما الجهاد الذي كتب بعد ذلك فلم يكن لحمل الناس على الإيمان . إنما كان لإزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس . فلا يمنعوا من سماعها . ولا يفتنوا عن دينهم إذا سمعوها . كان لإزالة العقبات من طريق التذكير . الدور الوحيد الذي يملكه الرسول .
(1) - تفسير الرازي - (ج 16 / ص 497)
(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4496)